ديوان الباروني
الجزء ١ · صفحة ١٧١[138]- كان السلطان تيمور بن فيصل يعامله، كما قال للمستعمرين عند اعتراضهم لدخول الباروني إلى عمان، وهو ما معناه (إنه صديق لي وفوق ذلك من أعز أصدقاء والدي فلا سبيل إلى إغلاق الأبواب دونه). وأسكنه ألطف (فيلا) في ضواحي مدينة مسقط، يحيط بها بستان كبير، وتعرش على شرفته الورود والرياحين الزكية، وهو القصر - أو الفيلا التي نزلنا بها فيما بعد عند وصولنا لوالدي. ورغم انتقاله إلى القطر الداخلي - جانب الإمامة، فقد اتبع السلطان الشاب سنة أبيه في ذلك، أما أبي، فكان يذكر سويعات السيد تيمور الأخوية بتحسر، ومقت للأعداء.
بعد حوالي سنتين من وصوله إلى القطر العماني، وبعد أن حاول الخروج.، فيئس من الوعود التي يحبطها الاستعمار، ولو للاستشفاء في أقرب البلدان الموالية لهم، وكأنه حز في نفوسهم - أعني المستعمر - ما استقبل به من أخوة تفيض حرارة، كأنها لم تسمع لذلك الترصد الظالم أو تصغي إليه، وبعد أن أعجزته (الملاريا) عن الكثير مما انبعثت له حقائقه،
وقد وجد أحباباً وأهلاً لا يزالون يذكرون الشيخ (الباروني) كفرد منهم.
بعد ذلك كله عزم على تحقيق أمنية من أمانيه، ألا وهي صعود (مزون) الأشم - الجبل الأخضر - فتهيأ لذلك، فوصل نزوى من جديد. فتخلف هناك كل أصحابه ورفاقه الشيوخ، بل حتى الكهول، فتقدم صحبة جماعة أغلبهم شباب، فصعد الجبل راجلاً لصعوبة الطرق.
بل إنها معدومة في الواقع، فتعرف على القرى والغابات طول الطريق. ولا أدري كم يوماً قضاها في ذلك حتى بلغ القمة الشماء ـ كما كان يقول - معجباً فكأنه يرى فيها شمم العروبة والإسلام. ولكن هناك، نعم هناك وفي محراب قديم، وفي هدأة الليل أنشد أبياته الرقيقة ـ عندي ـ والتي قلت له مرة، وهو يذكر جمال الطبيعة في تلك القمة: (إنها أرق ما رأيت لك من شعر، فهل أحسست بوحشة إلى ذلك الحد؟) فقال في هدوء:
(في الواقع إن تلك السياحة كانت أمنيتي، ولكن لأمر ما وجدت نفسي وحيداً، قريباً من السرمدية، فتملكني الحنين على صورة لم يتملكني قط،
171