دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين أحمد محمد أحمد جلي

دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين

الجزء ١ · صفحة ٢٦٢

Converted by Tiff Combine (no stamps are applied by registered version)

توجب الحكم بكفره. فقالوا إنا تحيَّرنا في أمره وتوقفنا في حاله ووكلناه إلى أحكم

الحاكمين (1).

الزيدية المعاصرون:

قد انقرضت هذه الفرق المتطرفة من الزيدية أو ذابت في فرق الشيعة الأخرى، وما بقى من الزيود الآن فهم متمسكون بما سبق أن أشرنا إليه من آراء في العقيدة تلتقي في جملتها مع آراء المعتزلة وأصولهم، ويتبعون في الأحكام المذهب الزيدي

والزيدية المعاصرون ينكرون أخذ مذهبهم في العقائد من المعتزلة في الأساس، وما وجد من ارتباط بين الطائفتين يعود - في رأيهم - إلى مجرد التوافق في الرأي. ويذهبون إلى أنهم والمعتزلة يشملهم جميعاً مصطلح عدلية، وهي كلمة تطلق ـ كما يقولون على كل من يقول بالعدل والتوحيد وينفي الجبر والتشبيه والتجسيم تعالى الله ذلك (2). عن

من

-

ومهما تكن صحة هذا الرأي أو خطؤه، فإن الزيدية المعاصرين، تتفق آراؤهم إن لم تكن تتطابق مع آراء المعتزلة، فمن حيث المنهج نجدهم كالمعتزلة يعلون شأن العقل في مقابل النقل، ويجعلون الحجج العقلية أصلاً لحجة السمع، ويحتجون بمثل ما احتج به المعتزلة من أن السمع عرف بالعقل ولم يعرف العقل بالسمع (3). والعقل عندهم يستقل بإدراك الحسن والقبح في الأعمال وهما ذاتيان، فالصدق مثلاً فيه حسن ذاتي تميل إليه الطباع والكذب فيه قبح ذاتي تنفر عنه، ويترتب على رأي الزيدية، كما يقول واحد منهم أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرائع، أو إذا لم تبلغه دعوة الرسل، بما يدل عليه العقل، فهو مكلف بشكر المنعم ومكلف بمكارم الأخلاق، ولو لم يصل إليه شرع في ذلك. ودليلهم على ذلك أن الناس كانوا قبل ورود الشرائع يتحاكمون إلى العقل ويتجادلون به، ولو لم يكن في الأشياء حسن وقبح ذاتيان لأفحمت الرسل، وما استطاعوا الدعوة لأنهم يطالبون الناس النظر إلى الأشياء بعقولهم، وذلك مصداق قوله تعالى: (فألهمها

(1) الملل والنحل جـ 1، ص 161. الحور العين، ص 155. (2) الزيدية نظرية وتطبيق على شرف الدين) ص: 21.

(3) المرجع نفسه، ص: 41.

- 262 -