دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧Converted by Tiff Combine (no stamps are applied by registered version)
الأشياء جميعها روحانياً أو جسمانياً، وهما الهيولي والصورة (1)». أما كائنات العالم فتحدث نتيجة لحركة النفس وتشوقها للعقل، ولما اشتاقت النفس إلى
المركبات من
الة
كمال العقل احتاجت إلى حركة من النقص إلى الكمال واحتاجت الحركة إلى الحركة، فحدثت الأفلاك السماوية وتحركت حركة دورية بتدبير النفس، وحدثت الطبائع البسيطة بعدها، وتحركت حركة استقامة بتدبير النفس أيضاً، فتركبت المعادن والنبات والحيوان والإنسان واتصلت النفوس الجزئية بالأبدان (2)». فالخالق للعالم في اعتقاد الإسماعيلية هو العقل الكلي والنفس الكلية، وأن هذا الخلق يتم عن طريق الفيض أو الانبثاق. وعن هذا الفيض عبر اخوان الصفاء بقولهم: «إعلم يا أخي أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله تعالى لما كان تام الوجود، كامل الفضائل عالماً بالكائنات قبل كونها، وقادراً على إيجادها متى شاء، لم يكن من الحكمة أن يحبس تلك الفضائل في ذاته فلا يجود بها ولا يفيضها، فإذا بواجب الحكمة أفاض الجود والفضائل، كما يفيض عن عين الشمس النور والضياء، ودام ذلك الفيض منه متصلاً متواتراً غير منقطع (3)». وبناء على هذه النظرية فإن الخلق قديم أزلي قدم الفيض والجود والفضل الإلهي، وأن الكائنات تمثل جزءاً من الله تعالى كما أن نور الشمس وضياءها لا يمكن فصلهما عنها وجوداً ولا رتبة ولا درجة.
وتبدو نظرية الفيض هذه أكثر وضوحاً لدى فيلسوف الإسماعيلية وداعيتها حميد الدين الكرماني، الذي عرضها عرضاً جيداً في كتابه «راحة العقل». وهو في هذا الكتاب لا يختلف عن الفلاسفة إلا في بعض الاصطلاحات، كاستخدامه للإبداع والاختراع والانبثاق بدلاً أما فيما عدا هذا، فنجد الفيض. من الكرماني يرتب الموجودات ترتيباً يبدأ بالموجود الأول أو العقل الأول أو المحرك الأول، ويصفه بما وصفه به الفلاسفة أنه عقل في ذاته وعقل لذاته ومعقول من بذاته (4). وينبعث عن هذا العقل الأول، العقل الثاني، ويسمى المنبعث الأول أو عن نشأة الفكر
(1) رسالة تحفة المستجيبين (أبو يعقوب السجزي) 146/ 155، نقلا
الفلسفي (النشار)، ج 2، ص
(2) الملل والنحل، جـ 1، ص
413/ 415
193
(3) رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، ج 3، ص 196.
(4) راحة العقل (حميد الدين الكرماني)،
ص
9. 1967 - 09
-
277