دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين
الجزء ١ · صفحة ٢٨Converted by Tiff Combine (no stamps are applied by registered version)
وبهذا وضعت الشريعة الأسس التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، وتنظم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين. وقد اقتضت حكمة الله تعالى عدم تفصيل هذه المبادئ كي يتاح لكل جيل أن يبني على هذه الأصول النظم التفصيلية التي تلائم بيئته وتحقق مصالحه في كل زمان ومكان. وأمر الله تعالى بالعدل في الحكم تاركاً للأمة أن تضع الأسس والنظم والإجراءات التي تحقق العدالة فيها، وأمر بالطاعة وأوكل إلى الأمة أن تفصل النظم التي تكفل هذه الطاعة بين أفراد الأمة وطوائفها، وأمر بالشورى وأن يصدر ولي الأمر في سياسة الأمة عن رأي جماعتها، وللأمة أن تسن الوسائل التي تحقق الشورى فيها. ولذلك لم يعين عليه الصلاة والسلام لها طريقاً ثابتاً لاختلاف الطرق والوسائل باختلاف الشعوب والبيئات واختلاف الأزمنة والأمكنة.
اووا
وانطلاقاً
النبي
من
النبي
عن
هذا التصور للحكم وولاية أمر المسلمين اختلفت الآراء عقب وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام في شأن من يخلفه في أمر الناس. فالأنصار الذين وبذلوا نفوسهم وأموالهم دفاعاً عليه الصلاة والسلام ومن هاجر معه وبذلوا نفوسهم الدين رأوا أنهم أولى الناس بأن يكون منهم خليفة الرسول عليه الصلاة والسلام، ودعماً لرأيهم اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة كما سبق أن أشرنا)، ورشحوا زعيم سعد بن عبادة لتولي أمرة المسلمين. وحينما نمى هذا النبأ إلى
الله
عنهم
مكان
الخزرج المهاجرين أسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي إلى الاجتماع وجرى بينهم وبين الأنصار حوار حول هذه القضية، وخطب في الجمع أبو بكر معترفاً بفضل الأنصار وجهودهم مذكراً بما تميز به المهاجرون من سبق للإسلام وتحمل للأذى وصبر على الشدة، منبهاً إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام بأن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين (()). كما أشار إلى تقديم الله تعالى للمهاجرين على الأنصار في قوله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) (3). ولم تلبث أن لانت نفوس الأنصار السمحة لهذا القول، وكرهوا
(1) انظر ص 25.
(2) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الأمراء من قريش، ج
1.0/ 1.2
(3) سورة التوبة: آية 100.
الله
ص
28 -