حياة سليمان الباروني
الجزء ١ · صفحة ٢٦و بعد هذا بثلاثة أيام فقط نادانا أن وأوقفة أمامه إن ام بعضنا، ونحن أطفال صغار لا نكاد نمى شيئاً ما حولنا، وقال موجها كلامه الينا: -
عجب أن تذهبوا إلى المدرسة. وتواظبوا على دروسكم، وتكونوا مجتهدين فيها، وسوف أرجع اليكم قريباً جداً. و - أرسل لكم خطاباتي مع كل غواصة ا … ، تلك صورة أتذكرها جيداً، ولا زالت عالقة بذهى حتى الآن د هم بعد المدى وطول الزمن. هكذا سافر أن مستعدا … عمنا الذي كنا نحبه حبا جما كاندي اسم الغواصة التي أقلته، وتحيط ببعض أخبارها، ولكن هل كنا نعرف مبلغ ذالك المخاطرة الجديدة التي ذهب إليها، معرضا حياته في غمارها لكل خطر، ومعرضاً هناء أسرته كذلك لمواجع الأحداث وصروف الليالي؟. لم نكن ندرك ما تنطوى عليه مغامرته الجديدة، ولكنه على كل حال ذهب
للجهاد في سبيل الله وفى سبيل خلاص الوطن المقدس من براثن الاستعمار الغاشم، ولقد ودهناء في أسف وأسى شديدين، حيث وقفنا في عصر ذلك اليوم فى الطابق الثالث، نسأل خادمنا: من أي نقطة سافر الباشا؟ فكان الخادم الأمين يشير بيده نحو محطة السركجي، وهو دامع العين مفطور الفؤاد، و او خن مأخوذون بلوعة الفراق مبهوتون لظروفها، ولعل مناظر البوسفور والمرمرة الجميلة كانت تشاركنا في ذلك اليوم أسانا ولو عتنا. ولكن لماذا يبكي خادمنا محمود؟ هل أمضته اللوعة والفراق، أم عز عليه أن لا يركب الغواصة مع سيده الباشا ليذهب في موكب الجهاد؟ أم ماذا: الحق أنه كان يبكى السببين مجتمعين فقد كان متفانيا في الولاء لسيده والاخلاص له، كما كان يود من اعماقه ان يخدم سيده حتى في أشد أوقات الخطر!
مضت بعد هذا ثلاث سنوات طويلة، كلها جهاد وكفاح و نضال، لم يبق من أثرها إلى الآن غير ماسطره التاريخ على صفحاته الخالدة، وغير ما يقي في النفوس من جدوة وطنية موقدة، وغير هذه الاوراق وتلك المذكرات التي