حياة سليمان الباروني
الجزء ١ · صفحة ٣٢28
ظروفه وأحواله الخاصة، طرابلس التى وضع نفسه جندياً فدائياً لها، لا يهاب المخاطر ولا يفكر في سواها .... انتهى بعيداً عنها وهي مل. حياته وتفكيره وخواطره، يعاتب القدر لمعاكسته، ويستعمل الأجل حتى ينحو نحوها تاركا وراءه كل شي.
أذكر أنه لما كان فى أوائل مرضه ونحن فى بغداد أشار عليه الطبيب باستعمال قرابة نحو أربعين قارورة فارغة عند النوم لتعمل على سحب البروده التي في ظهره، فسألته عن سبب هذا البرد القديم ومتى أصيب به، فأجابتي وقد جالت محياه تلك الابتسامة الهادئة الوديعة، التي كانت ترتسم على ثغره المشرق كلما تذكر أمر الجهاد ومواقع الاستبسال. أجابني قائلا: حدث في أحدى الليالي في الحرب الطرابلسية الإيطالية الأخيرة أننا خرجنا الملاقاة العدو من جهات العزيزية، وبعد الموقعة رجعنا فيمنا في الطريق للكثرة التعب، فانهمر المطر وأنا نائم متكى. على سرجى، وكنت قابضا على شكيمة جوادى وأنا ممدد على الأرض بدون فراش، حتى جرى الماء من تحتى وأنا مستغرق في ذلك النوم وقد أبي إخواني أن يوقظوني لأنهم رأونى في نوم عميق بعد سهر ليالى عدة، فلما أنقت كانت ثيابي كلها مبللة فقفلنا راجعين، حتى اقتربنا من قصر الحكومة بعد طلوع الشمس فتوجهت إليه بنفس الثياب دون ما أذهب لتبديلها بالمنزل لأنها كانت قد جفت، وكانت كثرة الأعمال تدعوني أعدم التربث لحظة واحدة .. فكم من الحوادث القاسية مرت بالانسان وكأنها خطرات
النسيم
وإذا كانت الشجاعة صنو الكرم فى الرجل فإن والدى رحمه الله كان كرما وكريما جداً .. أذكر أننا ونحن ببغداد سنة 1358 هدخلت منزلنا أمرأه عربية قريبة عهد بالشباب ومعها صغيرها وابنتها التى تبلغ من العمر ثمانية سنوات وكانت إحدى مهاجرات فلسطين اللاتي يلجأن إلى القادر بين ليخففو أعنين فواجع الزمن ومع أن كثيرات مثلها كن يطر فن المنزل، إلا أن ذكرى هذه المرأة وما حدث