الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٤ويقول في قصيدة (أليف التاج) (1)
فتى جوده للسائل الحر سائل فلا خاب راجيه ولا خاب سائله
فكلمة (سائل لها معنيان المعنى القريب أنها اسم فاعل من السيولة وقد هيأت الذهن لذلك المعنى كلمة (جوده) قبلها، والمعنى البعيد لها انها اسم فاعل من السؤال والطلب وهو المراد، والشاعر بذلك يجعل ممدوحه هو الذي يسعى للأحرار من المحتاجين أو العفاة) - كما ورد في موضع آخر - وهم المحتاجون الذين يتعففون عن المسألة، فيصبح الممدوح هو السائل لهم أن يقبلوا جوده، وذلك أبلغ في الكرم وأشرف.
وكما يتداخل الجناس مع التورية عنده، تتداخل الكناية معها كذلك في بناء قوي محكم، ومثال ذلك قوله في قصيدة البدر ألف الحجالا) (2).
ويلبس بيض أعداه سوادا بسمر قد يحدّ بها الرجالا
فكلمة (بيض) معناها القريب هو السيوف، ورشح ذلك كلمة (أعداه) ولكن المعنى البعيد هو انها كناية عن النساء، وهي تصنع مع كلمة (سوادا) مطابقة تثير الذهن وتستدعي اليه صورة حداد النساء، وفى ذلك كناية عن قتل أزواجهن في
الحرب.
إن استخدام ابن رزيق للبلاغة وسائر علومها بهذه الكثرة الملفتة للانتباه لم تأت من فراغ، وهو ليس بدعا في ذلك إذ من المعروف أن الفترة الزمنية التي عاش فيها جاءت تالية لفترة غلبت الصنعة فيها على الأدب العربي بصفة عامة والشعر بصفة خاصه وكان ما كان من أثر سلبي لشيوع تلك الظاهرة على أدبنا العربي مما
(1) المخطوطة ص 346 (2) المخطوطة ص 335.
- 64 -