الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨سيصبح تراثا إن اجتهدنا في الجديد الجيد الذي يؤول إلى خلفنا ـ بعد حين - وما نتصوره معاصرة يجيء وقت تصبح فيه تلك المعاصرة تراثا، فالعلاقة هنا إذاً هي علاقة جدلية قائمة على أن ما هو تراث اليوم كان في يوم معاصرة، وما هو معاصرة اليوم سيصبح في يوم ما تراثاً، والحكمة تتطلب منا أن ننظر في حاضرنا ماذا سنقدم لخلفنا؟.
وإننا إذا كنا ندرك أن عصرنا هو عصر تفجر المعارف، واننا نعي تماما ما يدور حولنا فإن أمرًا مثل هذا يجب أن يدفعنا دفعًا إلى تكريم من سبقونا ومهدوا لنا الدرب حين صاغوا تلك القلائد من تراثنا الحضاري في مجالات الفكر وشتى صنوف المعرفة، في بعد عن الأثَرَة أو حب الذات فكانوا بهذا كقطرات زيت مباركة تضيء السبيل لطالبي العلم والمعرفة على وعي تام بأن التاريخ لا يرضى للعلماء الزلل والسقوط في المتاهات، بل يريدهم أن يكونوا منزهين صدوقين، فإذا زلت أقدامهم - لا قدر الله - فتلك جريرة ما بعدها جريرة وموقف ما بعده موقف.
إن تراثنا يشكل الخامة الولود التي يمكن أن نتخذ منها محورًا لأصالة موقفنا إزاء القضايا المعاصرة المطروحة حاليًا على ألسنة وأقلام نفر من الكتاب والباحثين وانه لا يضير هذا التراث أو يطامن من منزلته نظرة ذلك النفر بأن زادنا التراثي منذ قديم الزمان أدبي في الأغلب ففي مجال الأدب واللغة تنصب كل القوالب العلمية والفكرية، وفي أيامنا هذه نجد أن كل المفاهيم العصرية تؤكد - شئنا أم أبينا أن الأدب الأصيل هو المرآة التي تنعكس على صفحاتها صور صادقة لحياة الأمم في كفاحها ونضالها وتطلعاتها وآمالها وآلامها.
فالأدب هو ارتعاشات بارومترية صادقة لوجدان الأمة وأفكارها واتجاهاتها وأنه ليس بوسع هذا الأدب أن يعيش في عزلة عن الأحداث التي أثقلت كاهل أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها ولا عجب أن يشارك في مسيرته هذه
-^_