وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ١٠٥والتمزق. ويجعلها فعل ضلال وشقاء يعادل فعل الشر والكفر الذي يعاقب الله عليه. ويقول مفدى في داليته عن جمعية العلماء:
و فتية، أخلصوا الله أَمْرَهمُ … والشعب، لم يتهم عَسْفٌ وتهديد قاموا، وفي الشعب كذابون، ليس لهم غير المناصب و الألقاب، مقصود (1) فقد أسقط حادثة أهل الكهف في ثورتهم على الطاغية الظالم، داخل سياق جديد، فاتحدت صورة شباب الجمعية بصورة فتية أهل الكهف الواردة في الآية الكريمة: " إنهم فتية آمنوا بربهم وَزِدْنَاهُمْ هُدَى إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ والأرْض لنْ نَدْعُوا مِن دونِه إِذًا لَقَدْ قَلْنَا إِذًا
شَطَطًا" (1). كما يمزج بين الموقفين بإحكام تام مستعملا عنصر الإشارة والرمز من حيث العقبات والمصائب التي تعرض لها أهل الكهف في مواجهة معارضيهم وكذا الذي حصل لفتية الجمعية من العقبات والصعوبات التي واجهتهم، سواء من بعض الجزائريين الموالين للاستعمار أو من طرف
الاستعمار نفسه.
- يمكن أيضا أن نلاحظ عنصر الحركة في الصور المستمدة من التراث الديني لدى مفدي زكرياء، وهي ميزة ترتبط بالسابقة لأنها تتولد عن الامتزاج مع الحالة التي يريد الشاعر التعبير عنها وتتفاعل معها. فهو لا يوظف الصورة الدينية في هيئة ثابتة بل ترد في لحظة حركة داخل السياق، مما يجعلها جامدة أو باهته وإنما حية ومؤثرة في السياق الجديد.
يقول في رائيته التى أنشدها على هامش مؤتمر طرابلس سنة (1960):
وتأتون الجرائم سافرات
قد (احْمَرَّ الصليب) لها حياء
فضائح، تمتكونَ بها الوقارا
وضح لها ابن مريم والنصارى (2)
فالامكانات المتاحة هنا لمفدي لإبراز فكرة انسلاخ المستعمر من كل دين كثيرة، لكنه بدل التعبير
بالخطاب المباشر، فضل اعتماد صيغ دينية، واختارها من التراث الديني المسيحي كون المستعمر الفرنسي
(1) اللهب المقدس. ص: 266. (2) سورة الكهف. الآيات: 13 - 14.
(3) اللهب المقدس. ص: 154
- 101 -