وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٣٢أما في الفاتح نوفمبر سنة ستين وتسعمائة وألف (1960)، فإننا نجده ينظم قصيدة يخلد فيها الذكرى
السادسة للثورة الجزائرية تحت عنوان (سنثأر للشعب) جاء فيها:
سَلُوا مُهجَةَ الأَقْدَار .. هلْ جَرْسها دقا؟
وهَلْ ليلةُ القَدْر التي طالَ عُمْرِهَا
وهل كفّ هذا الدهر عن:
وهَلْ خاطرُ الظلماء، عن سرِّها الشقا؟
تنفس عن فجر لها، يصدع الأفقا؟
وأنصفنا هذا الزمان الذي عقا؟ (1)
والمعنى نفسه يستعمله في الإلياذة أثناء التحدث عن مطلع الثورة الجزائرية الذي يقول فيه:
تَأذَّنَ رَبُّكَ ليلةَ قَدْر
وألقى الستار على ألف شهر
و قال له الشعب: أمرُكَ رَبِّي
وقال له الرَّبُّ أمْرُكَ أمري!! (2)
والدلالة التي تحملها (ليلة القدر) في مجمل الاستعمالات التي وظفها الشاعر مفدي زكرياء،
إنما هي مرحلة التغيير الإيجابي والخلاص المنتظر، وذلك من خلال ربط المعنى الدلالي) للفاتح نوفمبر) بليلة القدر. هذا الرمز الذي غيّر مجريات الأحداث في الجزائر المستعمرة، كما يكشف عن معنى الظهر والقداسة بالنسبة للشهداء) فأحمد زبانا يراه أثناء إعدامه كملاك يسمو في تلك الليلة المقدسة إلى السماء، إلا أن الحالة الوظيفية لليلة القدر عند الشاعر تحمل دلالة الخلاص والتغيير الإيجابي الذي يطمح إليه الإنسان المظلوم والثائر.
فبخصوص معانيها الدينية وما أحدثته من تغيير في حياة الإنسانية جمعاء يقول سيد قطب في
تفسيره متحدثا عن ليلة القدر " ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض
مثله
في
عظمته،
وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جمعاء … والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري. فكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار و تحولات ". (3).
(1) اللهب المقدس. ص: 198. غلواء الدهر: أي طيشه في إصدار الأحكام.
(2) الإلياذة. ص: 53.
(3) سيد قطب في ظلال القرآن 06/ 3945
- 31 -