وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء حجاب عبد اللطيف

وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء

الجزء ١ · صفحة ٣٤

ولا يتوقف الشاعر عند هذا الحد في اقتباساته أو تضميناته، بل يستغل حتى الأماكن المقدسة والتاريخ الإسلامي، والمتمثل هنا في الخلفاء الفاطميين وقادتهم وبناء مدينة القاهرة والجامع الأزهر، وهو في هذا معجب ومفتخر بأبناء الجزائر ودورهم في التاريخ الإسلامي. ومما يلاحظ أن الرصيد المعرفي الديني للشاعر أصبح جزءا لا ينفصم منه؛ وبهذا نجد تداخلا وتقاطعا في نصوص حديثة على نصوص قديمة من التراث العربي الإسلامي، وفي هذا يقول:

وفي قدس جَنَّاتنا الناضرة

تمد المعز لدين الإلـ

وجوة إلى ربها ناظرة.

فيصنع جوهر والقاهرة! (1)

فمثلا في الشطر الثاني من البيت الأول يظهر الاقتباس واضحا إذ يرتبط المعنى الجديد الذي يريده الشاعر بالمكان المقدس، وهي مدينة القدس، فيكشف عن دلالة القداسة والجلال في نظره لموطنه، لذا فالجزء مقتبس من القرآن وبالضبط من قوله تعالى: ((وُجُوهٌ يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)) (2)، كما يشير إلى الأعمال التي قام بها المعز لدين الله وأبرزها جعل مصر عاصمة للفاطميين، وتصميم قائده جوهر الصقلي للقاهرة. أما عند وصفه للمستعمرين الفرنسيين ومشاعرهم تجاه الشعب الجزائري، فيرى أن أوصافهم الوصف القرآني الذي أطلقه الله على الكافرين الذين يصدون عن أسباب الإيمان فيقول: مع

تتطابق

وكان الفرنسيسُ صُمَّا وبُكْما وعُميا، فأصغى لنا من تمارى (3) فهذا المعنى مستمد من قوله تعالى في وصف الكفار الذين يصدون عن الحق: ((

ومَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا كَمَثل الذي يَنْعَقُ بما لا يَسْمَعُ إِلا دُعاء ونداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يعقلون)) (4). و أثناء حديثه عن المراوغات التي قام بما الاستعمار قبل الثورة تلاعبا بمصير الشعب الجزائري، الذي رفض الحلول الجزئية، بل أصرَّ على الحل الثوري، يقول:

أتى أمْرُنَا صَارخا فَانْطَلَقْ

وفاوضنا القومُ في أمرنا

فرنسا … تناسيت ما ليس يُنسى

ولُذْنَا بِوَحْدَتَنَا، فَانْعَتَقْنا

وأمر سيادتنا … فرفضنا

أما في نوفمبر … كُنَّا اقْتَرَعْنا (5)

(1) الإلياذة. ص: 46.

(2) سورة القيامة: الآيات 22 - 23.

(3) الإلياذة. ص: 64. تماري: تفاخر وتكبر وصدّ عن الحق.

(4) سورة البقرة: الآية 171.

(5) الإلياذة. ص: 66.

- 33 -