وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء حجاب عبد اللطيف

وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء

الجزء ١ · صفحة ٤٠

لكن هذا التناص لا يخلو من دور الشاعر في إعادة توزيع العبارات، بل وفي إعادة صياغته ليبدو بعيدا

وقريبا في نفس الوقت كما نلحظه في قوله:

إرادة الشعب إِن تَصدق عزيمته إرادة الله يَجْرِي بِاسْمِها القَلمُ مَا بينَ - كاف ونُون - قالَهَا رَجُلٌ فكان .. وَ انْهَارِ مَا خَطُّوا وما رَسَمُوا (1) فالأبيات مشحونة بتمجيد إرادة الشعب والتي يكرر مفدي دائما بأنها من إرادة الله، ولذا تتقاطع هنا إرادة جمال عبد الناصر - الذي كتبت القصيدة للتنويه بتأميمه لقناة السويس- مع إرادة الله قوتها منها.

وتستمد

و لذا يعود الشاعر إلى النص القرآني الشهير والمعروف، الذي يصف عظمة الإرادة و القدرة الإلهية المخبأة في أقصر كلمة) كن) وذلك في قوله تعالى: ((إنّما أَمْرُهُ إذا أراد شيئًا أن يقول له كُنْ

فَيَكُون)) (2).

وهكذا لا يتوقف تقاطع النصوص القرآنية مع تعبير مفدي بصورة واضحة في كثير من الأحيان، من مختلف أجزاء القرآن الكريم وسوره فقوله تعالى: ((فَأَنذَرتُكُم نارا تَلَظَّى لا يَصْلاها إلا الأشقى)) (3) حاضر في قوله:

ألا اضطرمي يا نار! يَظْهَرْ بكَ الحِمَى ويُصهَر بكِ البَاغِي ويُصْلَ بكِ الأشقى (4)

ونماذج التناص مع القرآن كثيرة، تبين مدى تفاعله مع النص القرآني واستغلاله لصوره وعبارته. وبقدر انتشار الكثافة التناصية في شعر مفدي زكرياء، بقدر ما تتعدد الدلالات والسياقات حتى داخل النص الواحد، وسنعود إلى نماذج تناصية أخرى في الفصل التالي.

وتبقى هذه الظاهرة ذات دلالة مميزة تكشف انسجامه مع تراثه الذي نهل منه منذ صغره، وتكشف عمق إدراكه لأبعاده ودلالاته، والنقاط التي يستطيع فيها نصه الشعري أن يتمفصل معها.

(1) اللهب المقدس. ص: 300

(2) سورة يس: الآية 82

(3) سورة الليل: الآيات 14 - 15.

(4) اللهب المقدس. ص.202

- 39 -