وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٤٥فأريد إن شاء الله أن أخيء دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (1).
وعلى هذا النسق في إخفاء النص السابق ترد بعض نصوص مفدي زكرياء، حتى لا يتحول عمله إلى مجرد استشهاد أو تضمين، بل يبقي على نشاط المتلقي في تكوين الصورة الداخلية وإيجاد العلاقات مع الموروث الديني مما يعطي للقصيدة نبضا خاصا وبعدا دلاليا متميزا. ففي الحديث عن الخلاف، يتعجب من تحافي المسلمين لبعضهم البعض، إذ يقول:
أَمْ كَيفَ يَجْفُو المُسْلِمُ المُسْلِمَا
وبَيْنَنَا قُرْبى وجنس ودِين؟ (2)
وهو أيضا يحيل على الحديث الصحيح: ((لا تَباغَضُوا ولا تَحاسَدُوا ولا تَدَابَرُوا وَكُونوا عباد الله
إخوانا ولا يَحِلَّ المسلم أن يَهجُرَ أَخَاه فوق ثلاثَةِ أَيَّامٍ (((3). وفي ختام إلياذته يقر بالتوبة إلى
الذنوب ويطلب منه المغفرة، فيقول مفدي:
أتُوبُ إليكَ باليَادَتي عَسَاهَا تُكَفِّرُ كُلَّ ذُنوبي
الله
من
عصَيْتُكَ علمًا بأنكَ تَعْفو
على المشرفينَ فَهَانَتْ خُطوبي
وإِنْ أنا لم أغص، أهلَكْتَني وأبدلْتَني بِطَرُوب لَعُوب (4)
فالاقتباس واضح من الأثر الديني؛ لأن المعنى مأخوذ من القرآن، ويتمثل في قوله تعالى: ((قُلْ يا عبادي الذينَ أَسْرَفُوا على أَنْفُسهم لا تَقْنَطُوا من رحمة الله إنَّ الله يغْفِرُ الذُّنوبَ جَمِيعًا)) (5). وفي البيت الأخير يظهر الاقتباس الواضح من الحديث القدسي والذي نصه: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهبَ الله تعالى بكُمْ ولَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذنبون فيستغفرون الله فيغْفِرُ لَهُم)) (6). فالحديث لا يقل استعمالا عن القرآن الكريم في شعر مفدى زكرياء، إذ إن هذين المصدرين يشكلان النواة الأصلية للتراث الديني الإسلامي كله.
(1) حيح البخاري: 2718/ 6، رقم: 7036.
(2) اللهب المقدس. ص: 247
(3) صحيح البخاري: 2253/ 5/ رقم 5718.
(4) الإلياذة. ص: 98.
(5) سورة الزمر: الآية 53
الحديث القدسي هو الذي ما كان معناه
من عند الله ولفظه من الرسول (ص).
راجع درويش جويدي، الاحاديث القدسية، المكتبة العصرية، بيرو ت ط 1999/ 1 ص 11. (6) صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1955/ 1. 3106/ 4، رقم: 2749
-
44 -