وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٥٠فمحمد وعيسى ينحدرا من نفس النور الذي غمر البشرية، بل يستعيد كل ما يمكن أن يربط بين
الشخصيتين، فيكرر الإشارة إلى زواج النبي (ص) من مارية القبطية (النصرانية):
11
ونحترم الكنيسة في حمانا ونحترم الصوامع و القبابا
وكان محمد نسبًا لعيسى وكان الحق بينهما انتسابا (1)
فزواج النبي (ص) من مريم القبطية وقد بعث بها المقوقس كأَمَة رمزًا للود الذي أشار إليه القرآن بين الإسلام والمسيحية وتشريعا للمسلمين بحل الزواج من كتابيات." (2). فاستدعاء الشخصيتين هنا يشبه استدعاء شعراء الشام والمهجر بشكل خاص لهما خلال دعوتهم للتسامح الديني من أجل إخماد الفتن الطائفية. لكنه يرد في سياق مغاير يحاول مفدي بتوظيفه إبراز تجانس الجزائريين وتسامحهم من جهة، وفضح حقيقة المستعمر التي لا تخضع لدين من جهة أخرى.
في الإلياذة يقف في عدة مقاطع متغنيا بتاريخ الجزائر وعظمائها منذ عهد البربر إلى يومنا هذا،
مستعيدا صورة الشخصيات المتحدة في هذا التاريخ العظيم:
أولئك آباؤنا منذ عيسى و كان محمد صهرا لعيـ
ولم نك ننكر آباءنا
أكانوا نصارى!! أكانوا مجوسا
وهل كان بَربَرُ إلا شقيقا جزهم **؟ هل نسينا الدروسا؟
إذا عرب الدين أصلا بنا
فما زال أحمد صهرا لعيسى (3)
و المقطع يبدأ بالصلة التي وحدت محمدا وعيسى؛ أي بين الإسلام والمسيحية، ويختتم به في نفس الصيغة تقريبا، ومن الواضح أن الشخصيتين تعودان إلى سطح الذاكرة من أجل معالجة وضع جديد
وتثبيت آراء متميزة.
(1) اللهب المقدس. ص: 39
(2) أحمد بهجت أنبياء الله دار الشروق، بيروت، ط 12/ 1984. ص: 464
*
**
البربر: سكان شمال إفريقيا، وهو اسم أطلقه اليونان عليهم على أن هؤلاء البربر وإن اختلف الناس في نشأتهم فهم ساميون من أبناء مازيغ بن كنعان فهم الأمازيغ، ينظر: عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام. 49/ 1. قبيلة عربية قديمة من العرب العاربة، قيل إنها من اليمن ونزلت مكة، وهلكت مثل عاد وثمود. وذكرها زهير ابن أبي سلمى في قوله: فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم. ينظر: الزوزني: شرح المعلقات السبع دار صادر، بيروت، 1963، ص: 78. (3) الإلياذة ص: 26
- 49 -