وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٥١ومن المناسب هنا أن ننتقل إلى شخصية عيسى عليه السلام فهي تحتل مساحة هامة في شعره، وقد حرص على تنويع توظيفها واستحضارها فيه فهي أحيانا في مكان المشبه به أي شخصية المسيح التي يقابل بها صورة الثورة، وذلك في قوله عن الشهداء الأوائل:
هُمُ الثَّائِرُونَ الأَلَى وَلَدُوا
متى نزلت ثورة من سماء
نوفمبر من صُلْبهم، فاستقام
نزول المسيح .. عليه السلام؟؟ (1)
فالثورة وليدة مخاض طويل ونضال صعب لكنه يجد شبها بين شخصية المسيح وبين ثورة نوفمبر حين تقفز إلى ذهنه فكرة التخليص المسيحية والتي هي من رصيده الديني المعرفي، يقول: ألست الذي كنت المسيح بأرضنا وأشرفت من عَلْياكَ تخلقُنَا خَلْقا (2) للجزائريين إلا نوفمبر، وكذلك في المطلع الشهير لقصيدته التي أنشدها غداة إعدام أحمد
فلا
زبانا
مسيح
قام يَحْتالُ كالمسيحِ وَئِيدًا يَتَهادَى نَشوان يتلو النشيدا (3)
و هي جزء من صورة واسعة في القصيدة، صورة مجتمعة من عظمة الأنبياء (4).
إن المسيح هنا قيمة وليس مجرد أحداث بسيطة يرددها المؤرخون؛ ولهذا يغتنم مفدي رأس السنة الميلادية سنة ستين وتسعمائة وألف (1960) ليتساءل عن مصير الجزائريين الذين أوصدت في وجوههم أبواب المنظمات ودعاة السلام:
وهل سيُنصَفُ شعب بات يَجحَدُهُ مَن ظَلَّ بالسِّلْمِ، في الدنيا يُمَنِّينا؟ ويا ابن مريم .. في ذكراك موعظة لو أنها تُلهم الرُّشد المجانيا
(1) الإلياذة. ص:
52
ونلتقي بتركيب آخر حيث تتقلص المساحة الدلالية للشخصية كما في قوله عن ذكرى نوفمبر وأنطق عيسى الإنس بعد وفاتهم فألهمنا في الحرب أن ننطق الصخرا.
اللهب المقدس. ص: 306.
(2) نفس المرجع ص: 199
(3) نفس المرجع ص: 9.
(4) محمد ناصر: مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة. ص: 120.
- 50 -