وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٧٥إن عبارة مفدي زكرياء السابقة في رده على منتقديه و احتجاجه بميله الصوفي تكشف
عن عمق تأثير هذا الجانب فيه، و إحساسه بتفتح الشاعر الصوفي على تقنيات مغايرة لتلك التي يعتمدها غيره من الشعراء، لأنه ينسجم مع رموز العالم الخفي و إشارات الحواس التي تشكل في تداخلها تراكيب غريبة يقوم فهمها على التأويل والبحث. فالعالم الذي يحيا داخله الصوفي يختلف عن الواقع المحدود الضيق الذي يبدو في الفهم السطحي للشعر بشكل عام. ولهذا السبب تمتزج الحساسية الرومانسية بهذا المنحى العفوي في صورة (راعي الغنم) كما يشكلها في قوله:
ويَستَلْقي بحافته يُناجي
إله العرش، يسأله متابا
قرير العين في الفلوات أضحى يَعَافُ الناس، مُذْ أَلفَ الذئابا
فما يدري بجنته، نفاقا
ولا كذبا، ولا خان الصحابا (1) خانَ
وحينما زج بالشاعر في سجن (بربروس) في زنزانة مظلمة سنة (1955) كتب قافيته الرائعة التي
يقول فيها:
والروح تهزأ بالسجان ساخرة هيهات يُدْرِكُها، أَيان تَنْزَلق تنساب في ملكوت الله سابحة لا الفجر، إِنْ لاحَ يُفشيها ولا الغَسَق
ورُبَّ نجوى كدنيا الحب، دافئة قد نام عنها رقيبي، ليس يَستَرق (2) فمن خلال هذه الأبيات يطالعنا مظهر كبار الزهاد والمتصوفة الذين اعتبروا السجن خلوة وعبادة، ودوام اتصال بالعالم الواسع الذين يحملونه في أعماقهم (3)، فملكوت الله يتسع لهذه الروح التي تشق و تتخطى سجنها الضيق ممتنعة عن السجان أو الرقيب، أو الأضواء.
ومن
هنا، لا نعجب إذا صادفتنا مناجاة رقيقة يرفعها مفدي زكرياء بمثل أسلوب أولئك المتصوفين ورقتهم مستشعرا عظمة الله وسعة رحمته وعفوه كقوله:
(1) اللهب المقدس. ص: 37. وسجن بربروس من أقسى السجون من أقسى السجون التي استعملها الاستعمار الفرنسي في الجزائر العاصمة لتعذيب المجاهدين وكبار زعماء الثورة، أمثال أحمد زبانا والعربي بن مهيدي. ويعرف الآن باسم (سركاجي).
(2) نفس المرجع ص: 21
(3) وهي أصلا صورة مستمدة من قصة (النبي يوسف عليه السلام) في سجنه وقد تكررت في التراث الإسلامي من خلال (حياة أحمد حنبل) و (الإمام بن تيمية .... بن
-74 -