وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٨١فوصف مشاعر المستعمر بالقساوة، والصلابة يجعلها لا تختلف عن طبيعة الحجر الصلب الأصم
الذي لا طائل و لا فائدة ترجى منه كما يصف المستعمرين بالشياطين في صورة أخرى في قوله: وفي الجزائر للتنكيل مدرسة تعلّم الفتك بالشعب، الشياطينا (1) فصورة الشيطان هي رمز للشر والأذى والقبح، وهذا التصوير قد أشار إليه القرآن والكتب المقدسة
الأخرى.
و يستمر الشاعر في تعرية الاستعمار، بحيث عرض نواياه وأفعاله الدنيئة في حق الشعب الضعيف
وذلك في قوله:
وفي الجزائر قُطَّاعٌ، قد التَهمُوا
خَيْرَ الجزائر، زَقُومًا وغسْلينا (2)
فخيرات الجزائر التي لهبها الاستعمار ظلما وعدوانا هي) كالزقوم و الغسلين) وهذا نوع الطعام الذي يجازي به الله الإنسان الآثم الظالم في آخرته، حسب ما أشار إليه القرآن الكريم. كذلك جزى
الله المستعمر؛ بأن ثار عليه الشعب الجزائري وانتقم منه أشدَّ انتقام وأذاقه أنواعا من الذل والهوان. و لا يكتفي الشاعر بعرض الصور المستمدة من الدين الإسلامي بل يتعداها إلى ما ورد في التعاليم المسيحية التي ترفض الظلم والاستبداد فالأفعال الدنيئة التي قام بها الاستعمار تتنافى ومبادئ الديانة المسيحية، التي تدعو إلى المحبة والسلم بين أفراد الإنسانية جمعاء. لكن الاستعمار شوَّة تلك الصورة، وخالف تعاليم المسيح عليه السلام من خلال ما أشار إليه
الشاعر:
وتأتون الجرائم، سافراتِ فضائح، تمتكُونَ بمَا الوَقارَا
قد (احمرَّ الصَّليب) لها حياء وضح لها ابنُ مريمَ والنصارى (3)
كما يسلط الضوء على الاستبداد الفرنسي البشع في حق الشعب الجزائري بقوله في هذه الصورة: وإن أغلقُوا باب العدالة في الثرى فأبواب عدل الله، لا تَعرفُ الغَلْقَا (4)
(1) اللهب المقدس. ص: 150.
(2) نفس المرجع. ص: 150.
(3) نفس المرجع ص: 154.
(4) نفس المرجع ص: 20.
- 80 -