وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء حجاب عبد اللطيف

وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء

الجزء ١ · صفحة ٩٠

وأما تصويره لبنت الصحراء وهي تجمع حبات التمر المتساقطة فإنه يلجأ فيها إلى ربط الصورة بالموقف الذي عاشته السيدة (مريم العذراء (لما جاءها المخاض، فأوحي إليها أن تحرك جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجني

وهرت مريم العذرا نخيلاً

فأسقطت الفَلَوْذَجَ والرُّطاباً (1) وهذا الرمز يحمل دلالة واضحة عن الطهارة والعفة التي تتميز بها بنت الصحراء، وإشارة أخرى إلى خيرات هذه الأرض الطيبة المعطاءة.

وقد تتضح الصورة أكثر حينما يندفع الشاعر إلى الكشف عن جمال الجزائر الطبيعي، ويجعله عاملا أساسيا للوصول إلى الإيمان بعظمة خالقه ومبدعه في قوله:

>>

جزائر يا مطلع المعجزات

و يا بسمةَ الرَّبِّ في أرضه

- ويا جنةً غَارَ مِنْها الجنان

و يا حُجَّةَ الله في الكائنات

ويا وجهه الضاحك القسمات (2)

وأشغله الغيب بالحاضر (3)

فأرض الجزائر بجمالها هي المعجزة وهي الحجة لمن أراد الإيمان بخالق الكون، بل هي جزء من جمال الخالق المبدع، وتكاد تفوق في جمالها جنات الخلد التي أعدها الله للمتقين، فكم نجد لهذه الصورة من تأثير بالرغم من المبالغة التي تشيع فيها، فالشاعر أراد من خلالها أن يمزج الغائب بالحاضر.

" I

إن الاندفاع العاطفي دفع مفدي إلى المبالغة المتطرفة، والمبالغة في حدّ ذاتها لا تنافي الفن إذ جاءت استجابة للمشاعر النفسية. ففي مبالغات مفدي زكرياء نلحظ الصدق الفني أحيانا، ولاسيما هذا الصدق الذي يجيء استجابة عفوية طبيعية لمشاعره النفسية المتأججة، وحماسته الوطنية المتدفق، وهو ما يمكن ملاحظته في أغلب قصائده الثورية والنضالية " (4).

(1) اللهب المقدس. ص: 37 الفلوذج حلواء تصنع من الدقيق والماء والعسل (فارسية)، والرطاب:

التمر، والمقصود التمر الحلو.

(2) الإلياذة. ص: 3. (3) نفس المرجع. ص: 4

(4) محمد ناصر مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة. ص: 129 - 130.

- 89 -