وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٩٥لكن المهم بالنسبة إلينا في هذا البحث ليس تصنيف الصور المستمدة من التراث الديني و جردها، بل يهمنا أكثر فهم بنائها ودورها الفني في الإطار العام لشعر مفدي زكرياء الثوري، وربما يكون من الأنسب والمفيد للبحث أن ننظر إليها على أنها نوعان: بسيطة ومركبة. ونعني بالصورة البسيطة، الصورة التي تتضمن عناصر قليلة، فعلاقاتها الداخلية غير محددة، مثل قوله عن واد في قسنطينة
الْكَوْثَرُ العَذْبُ يَحْكيها ويَحْسُدها و حَوْضُها الخُلْوُ، مثلُ) الحوض) مَوْرُودُ (1). فالصورة مبنية على أساس التقريب عن طريق التشبيه بين الوادي والحوض الموجود بقسنطينة وبين) الكوثر) و (حوض الرسول (ص) (، ولكليهما إحالة دينية؛ لتجذرهما في أعماق المسلمين، فالكوثر يحيل على نهر في الجنة هو رمز الطهر والرضا، أما الحوض المورود فيرتبط بالرضا والصفاء وعلو الدرجة والمغفرة.
ويبدو هذا النوع من الصور قريبا مما سماه محمد ناصر الصور المتعددة المستمدة من سور قرآنية واحدة لكنهما يختلفان؛ لأننا في تقسيم ناصر نركز على مصدر الصورة بينما نهتم هنا بالعناصر التي تركبت منها؛ ولذا علق ناصر على قصيدة الزلزال بقوله:" ومن الواضح البين، أن الشاعر هنا لم يزد على أن يكرر تلك المناظر التي تصور أحداث يوم القيامة، بل إنه وقع في أسر أجواء الصورة القرآنية الكريمة فقلدها في ألفاظها وفواصلها، وجوها الموسيقي، وهو تقليد
راح
يصل أحيانا حتى التضمين والاقتباس " (2).
أما الصورة المركبة، فهي بناء أكثر تعقيدا؛ لتعدد عناصرها واتساع المشهد الذي ترسمه. و يمكن أن يمثل لها هنا بقصيدته التي صور فيها إعدام الشهيد أحمد زبانا، وخاصة مطلعها:
(1) اللهب المقدس. ص: 264.
(2) محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث. ص: 472.
-94 -