الميثاق الغليظ
الجزء ١ · صفحة ٥٦بهذه النظرة السطحية الخاطئة، ثم نقلوها من ميدان مادي صرف الى ميدان روحي لا تدخل المادة فيه الا في اعتبار جانبي له اسباب. وهكذا ظهر الفتى الذي يريد ان يدفع اكثر مما يدفع غيره ليقنع نفسه ويقنع الناس انه قد اختار شيئاً نفيساً، شيئاً غالياً عزيزاً. لانه دفع ثمناً باهظاً. ويبرر ذلك فيقول لنفسه ان لم يقل للناس ان الفتاة التي اختارها فتاة غالية تستحق ان تبذل في سبيلها الثروات. وحتى عندما يحب اولياء الفتاة ان يتقيدوا بعرف مجتمعهم ولا يريدون ان يرفعوا المهر فوق ما جرت به العادة عندهم، فان الفتى يعالج مشكلته النفسية بمظهر الاسراف في انواع الهدايا، والتغالي فيها، وشراء اغلى التحف حتى ولو لم تجر العادة باستعمالها في بيته، ثم الانفاق في أيام الزفاف بلا حدود، وليس مهماً عنده ان ينتهي رصيده المحدود، وان تركبه الديون. وانما المهم عنده ان يظهر بمظهر الغني الذي ينفق في هذه المناسبة بدون حدود، وان يستل كلمات الاعجاب من صدور الاهل والأصهار والزائرين، كانما يريد ان يعلن للناس انه قد ملك اعز فتاة في الدنيا، وان كل ما يبذل في هذا السبيل قليل. وهو من جهة اخرى ينتقم من وضعه السابق حينما كان فقيراً تعوزه الشربة واللقمة ويحاول ان
يمحوه من ذاكرته وذواكر الناس وذاكرة الزمان ايضاً ويريد ان يعرف الناس انه صاحب اموال لا تنفد ولا تنتهي وان لا يصدقوا انه كان في يوم من الايام يعيش في فقر
08