الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٠٢2 - المضمون الأخلاقي للدين: تتعلق النزعة العقلية بالمنهج، ويتعلق المضمون الأخلاقي بالمذهب، والمشكلة هنا هي: هل مدرج الدين بما في ذلك أوامر الله ونواهيه تتبع قيم الأخلاق أم أنَّ قداسة الدين وشرع الله يقتضيان أن يستقل الدين عن تقييمات البشر الأخلاقية؟ إنَّ ما يصل الأصول الأربعة الأخيرة - إذا استثني التوحيد - إنَّما هو هذا الربط المحكم بين الدين والأخلاق العدل، وما يندرج تحته من موضوعات كاللطف الإلهي، ووجوب الصلاح، والأصلح على الله، وحُريَّة إرادة الإنسان، والحسن والقبح العقلين، ومدى مسؤولية الإنسان عن الفعل المتولّد، والوعد والوعيد، وأنه استحقاق وأعواض، والمنزلة بين المنزلتين، ومفهوم التوبة، واقتضاؤها رد المظالم، والإيمان، واقتضاؤه العمل الصالح، ثُمَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلُّها اتجاهات لم يُحددها، بل لا تتضح الرابطة بين آراء المعتزلة فيها إلا على أساس قاعدة أقاموا عليها آراءهم: الدين ينطوي على المضامين الأخلاقية التي يحكم بها العقل والوجدان، وربَّما أسرفوا في ذلك حتى جعلوا الدين تابعاً للأخلاق، ومن ثمَّ؛ كان ما أخذه عليهم خُصومهم من قولهم بفكرة الوُجُوب على الله أن يفعل الأصلح لعباده.
وقد نجح المعتزلة؛ حيث يُمكن أن يُفلح المنهج العقلي والنسق الأخلاقي في مجال الدين، نجحوا في أن يُنقحوا تصور الإنسان للألوهية من شوائب الحس، وملابسات الجسم، وإن أدى بهم ذلك - أحياناً - إلى أن تتغلب صفات السلب على تصورهم للذات الإلهية، فضلاً عن تجريدهم علاقة الإنسان بربه من كل تصور ذوقي، والمنهج الذوقي ربما كان أنجح في أن يتقرب الإنسان من ربه، وإن كان منهج العقل لازماً كي يُنَزِّهَهُ.
ومهما أَخَذَ البعض من أُمور على المعتزلة؛ سواء في مجال الفكر أم في مجال التطبيق، فإِنَّ هذا كله لا يحول دون أن تبقى فرقة المعتزلة، في علم الكلام بخاصة، وفي الفكر الإسلامي بعامة، مُمثلة للتفكير العقلي في أوج ازدهار الحضارة الإسلامية (1).
(1) في علم الكلام: دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين، المعتزلة للدكتور أحمد محمود
104
.352.349
صبحي،
، ص