الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٠٣يقول المرحوم الأستاذ أحمد أمين: [كان لاضطهاد المعتزلة ونُصرة المحدثين منذ عهد
المتوكل أثر كبير في حياة المسلمين منذ ذلك العهد وإلى اليوم، فلقد استبع الوقوف عند النص، وتضييق دائرة العقل نَمَطَاً من التفكير يسود فيه التقليد دون الاجتهاد، والوقوف عند حَرْفية النصوص دون التعمق في مراميها ومغازيها، والنَّظر إلى الفلسفة والبحث العَقْلِي نَظَرَ بغض وكراهية … هذا هو ما ساد عُقُول كثير من المسلمين منذ خُنق الاعتزال، فاحترمت نصوص الكتب أكثر ما احترم نقد العقل، واحترم العالم الواسع الاطلاع بالنُّصوص الدينية واللُّغويَّة أكثر ما احترم قليل الحفظ واسع أُفق العقل، وأكرم العالم المقلد أكثر ما أُكْرِم المجتهد، ونظر إلى الفقيه والمحدث بخير ما نظر إلى الفيلسوف والمفكر الناقد.]).
(3) الحَشَوِيَّةُ الأَثَرِيَّةُ مِنْ أصحاب الحديث:
ويسمون أنفسهم كذلك أهل السنة، وأهل الحديث وأصحاب الحديث والأثرية، في حين يُسمّيهم مخالفوهم الحَشَويَّة، ويرون أنهم من المشبهة المجسمة:
والواقع أنه من الصعب الحديث عن الحشوية كفرقة مُعيَّنة؛ لأنَّهم فئات مختلفة تجمعها
روح واحدةً، تتّسم بالتّعصب للنُّصوص والفهم الحرفي لها.
فالحشو انجاه عام، ومنهج في التفكير يدعو أصحابه إلى قبول الأفكار والأخبار الشائعة، وخاصة تلك المنسوبة إلى مصدر يحظى بالاحترام والثقة، دون تمحيص أو نقد كاف محتواها، أو للطريق الذي وَرَدَتْ منه. وقد يَتَحَدَّثُ البعض عن الحشوية كفرقة، ومقصودهم كُلِّ مَنْ تَبعَ المنهج المذكور في أمور العقيدة؛ يقول ابن رشد مثلاً: «أما الفرقة الحشوية؛ فإنَّهم قالوا: إنَّ طريق معرفة وجود الله - تعالى - هُوَ السَّمْع لا العقل؛ أعني أَنَّ الإيمانَ بِوُجُودِهِ الذي كلف النَّاسُ التصديق به، يكفي فيه أنْ يُتلَقَّى من صاحب الشرع، ويُؤْمَن به إيماناً، كما تُتلَقَّى منه أحوال المعاد (أي الآخرة)، وغير ذلك ما لا مدخل للعقل فيه، وهذه الفرقة الضالة، الظاهر من أمرها أنَّها مُقصرة عن مقصود الشارع في الطريق التي نَصبها للجميع، مفضية إلى
(1) ظهر الإسلام" أحمد أمين: ج 1 / ص 40.
105