الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٠٤معرفة وجود الله تعالى .. وذلك أنَّه يظهر من غير آية من كتاب الله - تعالى - أنَّه دعا الناس إلى
التصديق بوجود الباري - سبحانه - بأدلة عقلية منصوص عليها.
ويُمكن أن تستخلص عناصر الموقف الحشوي - كما يفهم من النَّص السابق وغيره.
على النحو التالي: 1 - الاعتماد على النَّص وحده طريقاً إلى المعرفة الاعتقادية خاصة، والدينية بصفة عامة، ورفض العقل وأدلته.
2 سوء الفهم للنصوص الدينية نفسها؛ حيث إنَّ هذه النصوص - كما سبق بيانه، وكما يشير ابن رشد في نصه الآنف الذكر - تعتد بالعقل، وتتضمن براهين عقلية لإثبات العقائد
الدينية الواجب اعتناقها، ولا تكتفي بتقرير هذه العقائد عارية عن البرهنة والاستدلال. 3 - النزوع إلى الفهم الحرفي لتلك النصوص، مما يؤدي إلى التجسيم والتشبيه؛ أي نسبة صفات المخلوقات أو الأشياء المادية الجسميَّة إلى الله سبحانه.
وينبغي فيما يتعلق بهذا العنصر الأخير أن نذكر أنَّ اتَّجاه التجسيم والتشبيه غير مقصور على «الحشو» أو القبول الساذج للنصوص المنقولة دون نقد علمي، أو الفهم الحرفي لها
دون اعتبار لمقتضيات التنزيه التي يُوجبها كُلِّ مِن النَّص والعَقْل معاً (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الشُّورى / 11، فقد ظهر التجسيم والتشبيه ـ أيضاً ـ على أُسس عقلية كلامية، وعلى أُسُس صوفية، فيما بعد.
ولكن يبدو أن روح الحشو هي المجال الخصب لنمو النزعات التشبيهية التي تُسيء إلى نقاء العقيدة الإلهية، بتصوير ذات الله - سبحانه - وصفاته في ضوء المقاييس الإنسانية والمادية، أو كما يقول المتكلمون في ضوء قياس الغائب عن الشاهد، وقد نبه على هذا الارتباط بين التشبيه والحشو أحد المتكلمين المتحدثين؛ إذْ قال: «كان عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وموابذ المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثُمَّ أخذوا بعدهم في بث
:
ما عندهم من أساطير بين من تروج عليهم؛ من لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء
.134
(1) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد) لد الملة:
ص
106