الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١١٣(1)
للذات الإلهية بشكل واضح). وكان هذا هو الاتجاه الغالب على الحنابلة، بعكس أصحاب الاتجاه التنزيهي المشار إليه آنفاً، الذين كانوا قلة بين الحنابلة.
ج - وهناك بين الحنابلة المتأخرين فريق حاول - في نَظَره - أن يتخذ موقفاً وَسَطاً، ساعياً - من خلاله - إلى الجمع بين العقل والنقل؛ أي الميل إلى الاحتكام إلى ظاهر النَّص في النهاية أو الصُّدُور عنه في البداية، دون إهمال لدور العقل في كلتا الحالتين، وإن زادت نسبة الاعتماد لديهم على ظاهر النَّقْل خاصةً في موضوع الصفات الإلهية، فصار كلامهم مختلطاً: أحياناً تجد فيه مُحاولة الابتعاد عن التجسيم والتشبيه بإصرارهم على عبارة بلا كيف أو بلا تكييف، وأحياناً؛ تجد فيه ما يُؤول إلى التجسيم والتشبيه الصريحين، ومن مثل هذا الاتجاه لدى الحنابلة: ابن قدامة المقدسي، ومن قبله ابن الزاغوني، والتميميون الذين
(2)
ظهر من بينهم - فيما بعد ـ الإمام الشهير ابن تيمية الحراني، والذي أثارت أفكاره وتعصبه في قضية الصفات الإلهية الخبريَّة ومسألة إثبات الجهة والمكان الله - تعالى - وغيرها من المسائل لغطاً كبيراً في أوساط أهل السنة بين مؤيد ومعارض، أثارت في عصره أئمة المذاهب الأربعة عليه، حتَّى أو عزوا للسلطان بسجنه، فَسُجن في قلعة دمشق، وبقي سجيناً فيها، حتّى أدركته الوفاة. وقد تبنّى أفكاره فيما بعد - إمام الدعوة التجديدية التوحيدية والحركة الإصلاحية السلفية في نجد الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي (رحمه الله) (1115 - 1206 هـ) (والتي اشتهرت باسم بالدعوة الوهابية).
أهم خصائص منهج الحرفيين المتشددين من الحنابلة أهل الحديث:
1 - لا يجوزون تأويل ما وَرَدَ في الأحاديث والآيات حول صفات الباري عَزَّ وجَلَّ، أو الخروج بها عن معناها الحرفي الظاهر منها، والمفهوم بحسب اللغة، فكل الآيات والأحاديث تثبت أسماء الجوارح الله عَزَّ وَجَلَّ، أو تُثبت له أي صفة أُخرى؛ مثل المجيء، أو النزول،
التي:
4
.23.21
(1) انظر الذهبي: بيان زغل العلم والطلب، ط دمشق 1928 م، ص 1 (2) انظر السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل: تقي الدين السبكي، ص 63 وما بعدها. وانظر عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي: دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه بتحقيق الشيخ الكوثري، القاهرة، ص 26 وما بعدها، وابن قدامة: اللمعة (لمعة الاعتقاد)، مكتبة السنة المحمدية بالقاهرة، ص 3 وما بعدها.
115