الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٢٢وقد دَرَس أبو الحسن الفقه على أحد أئمة الفقه الشافعي ببغداد؛ هو أبو إسحق المروزي (ت 340 هـ)، كما تعلم الكلام على مذهب المعتزلة على يدي أحد أقطابهم؛ وهو أبو علي الجبائي (303 هـ)، فكان تلميذاً له، إلى أن بلغ الأشعري سن الأربعين)
الحوار والتحول
(1)
تدور أشهر مناظرة بين الأشعري وشيخه المعتزلي الجبائي حول: وُجُوب فعل الصلاح والأصلح على الله، وهي فكرة لابد أن تُثير تساؤلين:
1 - هل يجب على الله شيء؟
2 - هل جميع أفعال الله تعليليَّة؟ كيف ذلك وهو: لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ الأنبياء 23؟، وهل يتقيد الفعل الإلهي بضرورة مراعاة مصالح العباد؟ أليس في ذلك تقييد للمشيئة؟
1 - مناظرة في أفعال الله: هل هيا تعليلية؟
سأل الأشعري أستاذه الجبائي: ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي، فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصبي من أهل النجاة فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائي: لا؛ لأنَّه يُقَالُ له: إنَّ المؤمن قد نال هذه الدرجة بالطاعة، وليس لك مثلها، قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كُنتُ عملتُ من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنتُ أعلم أنَّك لو بقيت لعصيت، ولعوقبت، فراعيت مصلحتك وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف، قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا رب؛ علمت حاله كما علمت حالي، فهلا راعيت مصلحتي مثله، فأمتني صغيراً؟ فانقطع الجبائي (3).
(1) البغدادي: تاريخ بغداد: ج 11 ص 347، والسبكي: طبقات الشافعية: ج 2 ص 248 وربَّما كانت صحبة صداقة لا تلمذة؛ إذ توفي المروزي بعد الأشعري بمدة.
(2) السبكي: طبقات الشافعية: ج 2 / ص 250 - 251 وانظر - أيضاً - ابن خلكان: وفيات الأعيان ج 3 ص 398 مع اختلاف بسيط وإضافة: قال الجبائي للأشعري: إنَّكَ مجنون، فَرَدَّ الأشعري: لا، بل وقف حمار الشيخ في العقبة! ويُعلّق ابن خلكان بقوله: هذه مناظرة دالة على أنَّ الله - تعالى - يختص برحمته من يشاء، كما يختص بعذابه من يشاء، وأن أفعاله غير مُعلَّلة بشيء من الأغراض، كما علق عليها السبكي بقوله: من أصولنا أنه ـ تعالى ـ لا يجب
عليه شيء، ولا يفعل شيئاً لشيء يبعثه، بل هو مالك الملك ورب العالمين، لا يُسأل عما يفعل، وهُم يُسألون.
124