الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٢٣ولا شك أنَّ المعتزلة قد أسرفوا على أنفسهم حين غلوا في تحكيم العقل إلى حد محاولة
(1)
تعليل كل فعل إلهي، كأنهم قد اطلعوا على أسرار الله وحكمته في كُلِّ شيء، وفَاتَهُم قُصور العقل الإنساني عن الإحاطة بالكون ومجرى القضاء فيه، لقد كان يمكنهم الإيمان بإحكام التدبير والنظام في الكون بالإجمال دون أن يقحموا أنفسهم في الجزئيات لتعليل كُل فعل إلهي وفقاً لمبدأ الصلاح الأصلح ترجع أهمية هذه المناظرة إلى أنَّها تُحدد مسار آراء أبي الحسن الأشعري بخاصة، واتجاهات المذهب الأشعري بعامة، ذلك أنَّ العقل الإنساني قاصر عن الإحاطة بالحكمة في أفعال الله، وأنَّ الأحكام التوقيفية في أفعال الله تترجّح على الأحكام التوفيقية أو التعليلية، وأن الفعل الإلهي لا يخضع لتقييم العقل البشري وموازينه، ومن ثم؛ فإنَّ هذا المبدأ العام إِنَّما يُحدد مَعْلَماً هاماً من معالم الفكر الأشعري، فذهب على سبيل المثال إلى:
1 - إمكان تكليف ما لا يُطاق، فذلك من الله جائز.
2 - جواز تعذيب الأطفال - الأطفال المشركين يوم القيامة … فذلك من الله عدل (3). 3 - حسن الأفعال أو قبحها بمقتضى الأمر أو النَّهْي الإلهيين، لا بمقتضى العقل. 2 - مناظرة في أسماء الله: هل هي توقيفية؟
دخل رجل على الجبائي فقال: هل يجوز أن يُسمى الله - تعالى - عاقلاً؟ فقال الجبائي: لا، لأنَّ العَقْل مشتق من العقال، والعقال بمعنى المانع، والمنع في الحق الله - تعالى - محال،
(1) على أنه ينبغي أن تلاحظ أنَّ كُلَّ الروايات التي وصلتنا عن مفارقة الأشعري للجبائي روايات أشعرية، ومن ثم؛ ينبغي أن تؤخذ بحذر. جاءت روايات مفارقة واصل للحسن البصري من قبل خُصوم المعتزلة لتعطي انطباعاً أنَّه انشقاق وخروج على الجماعة. وجاءت روايات مفارقة أبي الحسن الأشعري للجبائي من قبل خُصُوم المعتزلة - أيضاً. لتعطي انطباعاً أنه إفحام تلميذ الشيخه من جهة، وتهافت مبدأ الصلاح الأصلح من جهة ثانية، ومفارقة الأقوال الباطلة - آراء المعتزلة - من جهة ثالثة.
(2) هكذا يتخذ لفظ العدل معنى مغايراً عاماً لمعناه لدى المعتزلة، فبينما مفهومه لديهم ما يقتضيه العقل من الحكمة أو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة، نجد معناه لدى الأشاعرة. التَّصَرُّف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم (الملل والنحل ج 1 ص 25)، أي أنَّ العدل مبدأ رئيسي في الفعل الإلهي يحكم المشيئة لدى المعتزلة، بينما هو مبدأ تابع للمشيئة لدى الأشاعرة.
125