الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٢٤فامتنع الإطلاق، فقال الأشعري: فعلى قياسكَ لا يُسمى الله سبحانه - حكيماً لأنَّ هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، فإذا كان اللفظ مشتقاً من المنع والمنع على الله مُحال - لزمك أن تمنع إطلاق «حكيماً» عليه ـ سبحانه وتعالى فلم يحر جواباً. إلا أنه قال له: فلمَ منعت أنتَ أنْ يُسمَّى الله سبحانه عاقلاً، وأجزت أَنْ يُسمى حكيماً؟ قال الأشعري: لأنَّ طريقي في مأخذ أسماء الله السماع الشرعي، لا القياس اللغوي، فأطلقت حكيماً، لأنَّ الشرع أطلقه، ومنعت «عاقلاً» لأَنَّ الشَّرْعِ مَنَعَهُ، ولو أطلقه الشرع لأطلقته.
(1)
وهكذا يتحدد مسار تفكير الأشعري ومذهبه: أن يكون المرجع في تحديد أسماء الله: السمع دون العقل، ولا يعني ذلك إنكار الأشاعرة للعقل في مسائل العقيدة، وإنما أن يكون موقفهم إلى السمع أو إلى النقل أقرب وأرجح.
3 - رؤيا النبي:
تنسب الروايات الأشعرية تحول أبي الحسن إلى إشارة من النبي في رؤيا؛ إذْ لا تبحر في كلام الاعتزال، وبلغ غاية كان يُورد فيها الأسئلة على أستاذه، فلا يجد منه جواباً شافياً، تحيَّر ذلك، فحكي عنه أنَّه قال: وَقَعَ في صدري في بعض الليالي شيء مما كُنتُ فيه من العقائد، فَقُمْتُ، وصليت ركعتين، وسألت الله أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت، فرأيتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في المنام، فَشَكَوْتُ إليه بعض ما في من الأمر، فقال: عليك بسنتي، فانتهيت، وعارضتُ مسائل الكلام بما وجدت في القُرآن، فائبتُهُ، ونَبَذَتْ ما سواه وراء ظهري
(2)
4 - وخطبة منبرية:
وتحدد الروايات الأشعرية - حسبما ذكر ابن عساكر والسبكي وابن خلكان ـ تحوله المفاجئ بخطبة منبريَّة؛ إذ غاب عن الناس خمسة عشر يوماً في بيته، ثُمَّ خرج إلى الجامع
(1) السبكي: طبقات الشافعة ج 2 / ص 251 وما بعدها. وليس بمستبعد أن يكون الأشعري أقدر على الجدل والمناظرة من أستاذه الجبائي كما يروي الأشاعرة، بينما كان هذا باعترافهم صاحب تصنيف وقلم. السبكي: طبقات الشافعة ج 2 / ص 247246. (2) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى الإمام الأشعري: ص 40.
126