الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٢٥بالبصرة، وصعد المنبر بعد صلاة الجمعة قائلاً: معاشر الناس، إنَّما تغييتُ عنكم هذه المرة؛ لأني نَظَرتُ، فتكافات عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء، فاستهديت الله، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما أنخلع من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به ودَفَعَ الكتب التي ألفها على مذهب أهل السنة إلى الناس. وتُحدد رواية ابن خلكان ما انخلع عنه من معتقدات حين صاح قائلاً: مَنْ عرفني، فقد عرفني، ومَنْ لم يعرفني، فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان ابن فلان، كُنت أقول بخلق القرآن، وأنَّ الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال البشر أنا فاعلها، وأنا تائب مقلع مُخرج لفضائح المعتزلة ومعايبهم.
منهجه
يستند منهج الأشعري، الذي حدد موقفه من المعتزلة، إلى عاملين رئيسيين: الأول: إنَّ إعطاء قيمة مطلقة للعقل لا يُؤدِّي إلى نصرة الدين، إنَّه استبدال العقل بالعقيدة، وكيف تكون معتقداتنا عن الله إذا كان العقل هو المرجع عند التعارض على النقل؟ الثاني: أنَّه لابد من الإيمان أنَّ في الدين أحكاماً توقيفية)، ذلك مبداً جوهري في الاعتقاد، ولا يكون بدونه إيمان وما عسى أن يكون الدين إذا استباح الإنسان لعقله أن يخوض في كُلِّ فعل أو أمر إلهي، إنَّ ذلك يتنافى تماماً مع مفهوم الإيمان وما يقتضيه من
تصديق وتسليم.
على أنَّ ذلك لا يعني معارضة للعقل؛ إذ انتقد الأشعري الجمود والتقليد بقوله: إِنَّ طائفة من النّاس جَعَلُوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا
(3)
إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على مَنْ فَتّش عن أُصول الدين، ونسبوه إلى الضلال). ويقول في نص آخر أوضح وأصرح في الدلالة على نهجه: حكم مسائل الشرع التي طريقها
(1) ابن عساکر: تبيين كذب المفتري ص 39، والسبكي: طبقات الشافعية ج 2 ص 245، وابن خلكان: وفيات الأعيان ج 2 / ص 446. (2) راجع في ذلك مناظرته مع الجبائي حول أفعال الله، وكذلك مناظرته الأخرى حول أسمائه تعالى. (3) الأشعري: استحسان الخوض في علم الكلام: ص 87.
127