الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٢٦السمع أن تكون مردودة إلى أُصول الشرع التي طريقها السَّمْع، وحُكْم مسائل العقليَّات والمحسوسات أنْ يُرَدَّ كُلُّ شيء من ذلك إلى بابه، ولا تُخلط العقليات بالسمعيات، ولا
السمعيات بالعقليات.
ولقد تلمس الأشعري الحلول الوسطى في المشكلات الكلامية التي عالجها، يتضح ذلك في آرائه في مسائل صفات الله وخَلْق القُرآن، ومع خُصُومته للمعتزلة؛ فإنَّه لم يُهمل منهج العقل، وذلك ما أثار عليه الحنابلة، واتهموه أنَّه لم يتخلص تماماً من ميل إلى الاعتزال، على أنَّ ذلك لا يعني أنه كان إلى العقل أميلَ من النَّقْل، على العكس؛ فإنَّه إذا أتهم بأنَّه لم يلتزم الوسط بين النقل والعقل في بعض المسائل - كما يرى العالم المعاصر زاهد الكوثري - وأنَّه كان يميل إلى طرف من الطرفين، فإنَّ هذا الطرف هو - بلا شَكٍّ - جانب النَّقْل: إنَّه إذا تعارض العقل والنَّقْل فَإِنَّ النَّقْل هو المقدم؛ إذ يجب أنْ يَتْبَعَ العقلُ النَّص، ولا
يحيد عنه.
وليس أدل على ميله إلى جانب النقل دون العقل من مُخالفة مذهبي الحلول الوسطى الآخرين المعاصرين له، واللذين تتبعهما شرائح أخرى مُهمَّة لأهل السنة، لاتجاهه، فقد خالف الماتريدي نظرية الأشعري في أفعال العباد المسماة بنظرية الكسب (سيأتي شرحها بعد قليل)؛ لأنَّها - في رأي الماتريدية - ليست الأصُورة من الجبر، كذلك خالف الطحاوي الأشعري في إجازته على الله تكليف ما لا يُطاق. والواقع أنَّ هذين الراتين للأشعري: الكسب وتكليف ما لا يُطاق، مثلهما مثل بعض آرائه الأخرى لا تُعبر عن ميله للنقل، بقدر ما تُعبر عن بعده عن الاتِّجاه العقلي، كَرَد فعل عنيف على اعتزاليته السابقة.
أهم العقائد الأشعرية:
1 - في موضوع الصفات (أي صفات الله تعالى):
أ - الله - تعالى - ليس كمثله شيء: واحد عالم قادر حي سميع بصير، لا يُشبهه في ذاته ولا صفاته شيء، ولا يُشبه شيئاً؛ لأنَّه لو أشبَهَ المَحْدَثَات لكان في حكمها … ولم يُفارق
(1) ابن تيمية: موافقة صر صريح المعقول الصحيح المنقول: ج 2 / ص 10.
128