الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٣٩النزاع بين الرأي والحديث، وظهور انصار لكُلِّ من المبدأين:
كان كبار الصحابة في العصر الأول يستندون في فتواهم إلى الكتاب، ثُمَّ السنة، فإن أعجزهم ذلك أفتوا بالرآي؛ وهو القياس بأوسع معانيه، ولم يكونوا يميلون إلى التوسع في الأخذ بالرأي، لذلك؛ أثر عنهم ذَمُّ الرآي. ولما جاء الخلف وُجد منهم مَنْ يقف عند الفتوى على الحديث، ولا يتعداه، ويُفتي في كُلِّ مسألة بما يجده من ذلك، دون أن تكون هناك روابط تربط المسائل بعضها ببعض، وَوُجد فريق آخر يرى أن الشريعة معقولة المعنى، ولها أُصول ترجع إليها، فكانوا لا يُخالفون الأولين في العمل بالكتاب والسنة ما وجدوا إليهما سبيلاً، ولكنهم - لاقتناعهم بمعقولية الشريعة، وابتنائها على أُصُول مُحكمة فهمت من الكتاب والسنة - كانوا لا يُحجمون عن الفتوى برأيهم فيما لم يجدوا فيه نصاً، كما كان يفعل الفريق الأول، وفوق ذلك؛ كانوا يُحبُّون معرفة العلل والغايات التي من أجلها شرعت الأحكام، وربَّما ردُّوا بعض الأحاديث لمخالفتها لأُصول الشريعة، ولاسيما إذا عارضتها أحاديث أخرى، وكان أكثر ظهور هذا المبدأ في أهل العراق.
سأل ربيعة بن فروخ (المعروف بربيعة الرآي) سعيد بن المسيب شيخ فقهاء أهل المدينة من التابعين عن عقل إصبع المرأة: ما عقل الإصبع الواحدة؟ فقال: عشرة من الإبل، فقال: إصبعان؟ قال: عشرون. فقال: ثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: أربع؟ قال: عشرون. قال: فعندما عظم جرحها نقص عقلها؟! فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ هي "السنة"! وذلك أنَّ سعيداً كان يقول إنَّ المرأة تُعاقل الرجل إلى ثلث الديَّة، فإذا زادت على ذلك كانت ديتها على النصف من ديته، ومعنى تعاقل الرجل تكون ديتها كديته، فأجرى ذلك على ظاهره، ولو أدى ذلك إلى نتيجة غير معقولة؛ لأنَّه لا شأن للعقل في التشريع، فالأصابع الثلاث ديتها أقل من ثلث الديَّة، ولذلك؛ كانت دية أصابعها الثلاث ثلاثون رأساً، أما الأربعة؛ فهي أكثر من الثلث، ولذلك؛ تكون ديتها على النصف من ديَّة الرّجل، يعني عشرين رأساً، وهذه نتيجة لم يفهم ربيعة وجهها، فاستفهم سعيداً عنها، لكن سعيداً لم يُعجبه هذا السؤال، وأخذ منه أن ربيعة ممن يجعل للرأي مجالاً في التشريع مع وجود النَّص كما شاع عن أهل العراق، ولذلك؛ قال له: أعراقي أنت؟ والعراقيون يقولون في هذا ديتها على النصف من دية الرجل
141