الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٤٠في الأطراف كما في النفس، ويرفضون مثل هذه النتيجة التي يُحيلها العقل، ويقولون: إنَّ المراد بالنسبة في قول سعيد أنَّها السنة سنة زيد بن ثابت، فإنَّه كان يفتي بذلك.
وهكذا ظهر أهل الحديث وأهل الرأى: الأولون يقفون عند ظواهر النصوص بدون بحث في عللها، وقلما يفتون برأي، أما الآخرون فيبحثون عن علل الأحكام، وربط المسائل بعضها ببعض، ولا يُحجمون عن الرأي إذا لم يكن عندهم أثر، وكان أهل الحجاز أهل حديث، وأكثر أهل العراق أهل الرأي، ولذلك؛ قال سعيد بن المسيب لربيعة لما سأله عن علة الحكم: أعراقي أنت؟!
،
وتمن اشتهر بالرأي والقياس من فُقَهَاء العراق إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي فقيه العراق، وهو شيخ حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، الفقيه المقدم من أهل العراق، وقد أخذ إبراهيم الفقه عن خاله علقمة بن قيس النخعي الكوفي؛ وهو من مُتقدِّمي فُقَهَاء التابعين من الطبقة الأولى منهم، وكان أنبل أصحاب ابن مسعود. وكان إبراهيم يعاصر عامر بن شراحيل الشعبي مُحدث الكوفة وعالمها، وكان الأمر بعيداً بينهما، فإنَّ الشعبي كان صاحب حديث وأثر إذا عرضت له الفتيا، ولم يجد فيها نصاً انقبض عن الفتوى، وكان يكره الرآي. وقال مرة: أرأيتم لو قتل الأحنف وقتل معه صغير، أكانت ديتهما سواء أم يَفْضُل الأحنف لعقله وحلمه؟! قالوا: بل سواء، قال فليس القياس بشيء. فالفرق بين الرجلين أنَّ الشعبي ومَنْ على طريقه من رجال الحديث والأثر يقفون عند السنة لا يتعدونها، وينقبضون أن يقولوا بآرائهم فيما فيه سنة، وما ليس فيه سنة، ولا يحكم العقل في شيء من ذلك، وليس هناك مصالح منضبطة اعتبرها الشارع في تشريعه يرجعون إليها عند الفتيا؛ كأنه لا رابطة بين الأحكام الشرعية. وقد تألّم سعيد بن المسيب شيخ فقهاء أهل الحديث من ربيعة لما سأله. عن المعقول في دية الأصابع، وكان أهل المدينة يُسمّون ربيعة هذا بربيعة الرأي، لما يبحث في علل الشرْعَة، حتّى قال عبد الله بن سوار القاضي: ما رأيت أحداً أعلم من ربيعة بالرأي، فقيل له: ولا الحسن وابن سيرين؟ فقال: ولا الحَسَن وابن سيرين. أما إبراهيم النخعي ومَنْ على طريقته من فقهاء العراق وبعض فقهاء المدينة؛ فإنَّهم كانوا يستندون - أيضاً - في فتاويهم إلى الكتاب والسنة، إلا أنهم فهموا أن هذه الشريعة لابد أن تكون لها مصالح
142