الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٤١مقصودة التحصيل من أجلها شرعت وصح لهم اعتبار هذه المصالح فجعلوها أساساً للاستنباط فيما لم يروا فيه كتاباً ولا سنة، ولهم في ذلك سلف صالح، فإن الصحابة قاسوا في كثير من المسائل التي عَرَضَتْ لهم، ولم يكن عندهم فيها كتاب ولا سنة، ولم تكن آراؤهم إلا نتيجة اعتبار تلك المصالح.
وكان أهل الحديث يُعيبون أهل الرأي بأنَّهم يتركون بعض الأحاديث لأقيستهم، وهذا من الخطأ عليهم، ولم ترفيهم مَن يُقَدِّمُ قياساً على سُنَّة ثبتت عنده، إِلَّا أَنَّ منهم مَنْ لم يُرْوَ له الأثر في الحادثة، أو روي له، ولم يثق بسنده، فأفتى بالرأي، فربما كان ما أفتى به مخالفاً لسنَّة لم تكن بمعلومة له، أو علمت، ولكنه لم يثق بروايتها، أو عارضها ما هو أقوى في نظره، كما روى سفيان بن عيينة قال: اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي في دار الحناطين بمكة، فقال الأوزاعي لأبي حنيفة: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع، وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء، قال: كيف، وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع؟ فقال أبو حنيفة: حدثتنا حماد عن إبراهيم، عن علقمة، عن أسود، عن ابن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة، ولا يعود إلى شيء من ذلك. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن سالم عن أبيه، وتقول: حَدَّثتني حماد عن إبراهيم؟ فقال له أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عُمر، وإن كان لا بن عُمر صُحبَةٌ، أو فَضلُ صُحبة، فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله. فَسَكَتَ الأوزاعي. وهذه المحاورة - بدون أن تُناقش أقوالها - تدل على ما كان لكل فريق عند الآخر، وتدل على أنَّ الجميع واقفون عند حَدٌ
السنة، متى وثقوا بها، ومن روايتها.
ظهور المذاهب الفقهية المتعددة:
شهد عهد أتباع التابعين ومن بعدهم؛ أي القرنين الهجريين الثاني والثالث، ظهور مجموعة من الأسماء اللامعة لفقهاء كبار قيض الله لهم تلاميذ كُثر، دونوا فتاواهم، وحفظوا أقوالهم، ونقلوها لمن بعدهم، فصار لهم مقلدون وأتباع، ونشأت ـ من ذلك. المذاهب الفقهية الإسلامية المختلفة، فمنها من قيض الله - تعالى - له علماء كبار وتلامذة أفذاذ
143