الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

أجمع عليه أهل مذهبه أنه ـ رضي الله عنه - يأخذ بخبر النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء، فإن اختلف خبران، وكان لأحدهما وجه في التأويل يوافق به الخبر الآخر الذي ليس له إلا وجه واحد في الظاهر وفق بينهما. فإن لم يجد خبراً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من آثار الصحابة ما كان أقرب إلى كتاب الله وسنة نبيه، ويُسمى ذلك اجتهاداً. كما أثر عنه (أبو حنيفة) له قوله: كذب - والله - وافترى علينا من يقول: إنَّنا نقدم

القياس على النَّص، وهل يُحتاج - بعد النَّص - إلى قياس؟!

وقال: نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أنَّنا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ مسكوتاً عنه على منطوق به. وقال الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي مُحدث الديار المصرية في (عقود الجمان): كان أبو حنيفة من كبار حفاظ الحديث وأعيانهم، ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما

تهيأ له استنباط مسائل الفقه، وذكره الذهبي في طبقات الحفاظ - ولقد أجاد، وأفاد.

وفي سبب قلة الرواية عنه .. بالمقارنة مع بقية الفقهاء يقول الصالحي: إنَّما قلت الرواية نه - وإن كان متسع الحفظ - لاشتغاله بالاستنباط، وكذلك لم يرو عن مالك والشافعي إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه للسبب نفسه. كما قلت رواية أمثال أبي بكر وعمر من كبار

عنه.

الصحابة رضي الله عنهم إلى كثرة اطلاعهم. وقد كثرت رواية من دونهم بالنسبة إليهم.

وعليه؛ لابد من الاعتراف بأن أبا حنيفة لم يكن من رواة مئات الآلاف من الأحاديث، وإنما كان عنده صناديق من الحديث انتقى منها نحو أربعة آلاف حديث؛ نصفه من حماد بن أبي شيبة شيخه الخاص الذي تخرج به، ونصفه الآخر من باقي شيوخه، وكان يكتفي - فيما سوى ذلك ـ بالاطلاع على باقي الأحاديث من رواية أصحابه البارعين في شتّى العلوم أركان المجمع الفقهي الذي كان يرأسه هو، وتبحث فيه المسائل من كل ناحية، ثُمَّ تثبت في الديوان.).

(1) مستفاد من مقدمة كتاب "شرح الملا علي القاري الهروي الحنفي، على مسند الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي مع تعليق الشيخ خليل محيي الدين الميس مدير أزهر لبنان، ط 1،، بيروت: دار الكتب العلمية 1405 هـ / 1985 م.

152