الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

ولقد كانت البيئة العامة للبلد الذي عاش فيه تُوعز بالعرفان، وتنمي المواهب؛ إذهي مدينة الرسول الأعظم - مُحمد صلى الله عليه وآله وسلَّم - موطن الشرع، ومبعث النُّور، ومعقد الحكم الإسلامي الأول، ومرجع العلماء في العصر الأموي الأول، حتّى إِنَّ ابن مسعود كان يُسأل عن الأمر في العراق، فيفتي، فإذا رجع إلى المدينة، وَوَجَدَ ما يُخالفه لا يحط عن راحلته حتى يرجع، فيُخبر من أفتى.

في ظل هذه البيئة الخاصة والعامة نشأ مالك، وحفظ القرآن في صدر حياته، ثُمَّ اتَّجه بعد ذلك - إلى حفظ الحديث، وجالس العلماء. ويحكي عن نفسه؛ فيقول: إنَّه استأذن أُمَّه في مجالسة العلماء، فَأَلْبَسَتْهُ أحسن القياب، وعَمَّمَتْهُ، ثُمَّ قالت له: اذهب إلى ربيعة،

فتعلم من أدبه قبل علمه فجلس بنصيحة أُمه إلى ربيعة الرآي؛ وهو حدث صغير. طلبه للعلم ومنزلته العلمية:

كان الإمام مالك دؤوباً على طلب العلم، وصَرَفَ نفسه إليه في جد ونشاط وصبر، يترقب أوقات خُروج العلماء من منازلهم إلى المسجد. وقد حَدَّثَ الإمام مالك عن نفسه؛ فقال: إنَّه انقطع إلى ابن هرمز سبع سنين لم يخلطه بغيره، وأنَّه كان يلازمه من بكرة النهار إلى الليل. وقد رأى فيه ابن هرمز النجابة، وتنبأ له بمستقبل زاهر، فقد قال الجاريته يوماً: من بالباب؟ فلم تَرَ إلا مالكاً، فقالت: ما ثم إلا ذاك الأشقر، فقال: "ادعيه، فذلك عالم الناس". وأخذ الإمام - أيضاً - عن نافع مولى ابن عُمر، فانتفع بعلمه كثيراً. وهكذا نجد أن مالكاً لم يدخر جهداً في طلب العلم، كما أنه لم يدَّخر في سبيله مالاً، حتى لقد قال تلميذه ابن القاسم: "أفضى بمالك طلب العلم إلى اننقض سقف بيته، فباع خَشَبَهُ، ثُمَّ مالت عليه

الدنيا من بعد.

ولما نَضَجَ فكر مالك، واستوت رُجُولته، جلس في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للدرس والإفتاء، وذلك بعد أن استوثق من رأي شيوخه فيه، وإقرارهم بأنه لذلك أهل، ولقد قال رحمه الله: ما جلست للحديث والفتيا، حتّى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضع لذلك ـ ومنهم الزهري وربيعة ..

155