الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٥٤وكان الإمام مالك لا يروي إلا عن الثقات، حتَّى قال الإمام النسائي: أُمناء الله على
علم رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الفطان". وقد التزم مالك في دراسة السكينة والوقار والابتعاد عن لغو القول، ومالا يحسن بمثله، وكان يقول: "من آداب العالم ألا يضحك إلا تبسماً، وما كان ذلك فيه الجفوة في نفسه، بل كان يأخذ نفسه بذلك احتراماً للدرس والحديث. قال بعض تلامذته: "كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد منا، يتبسط معنا في الحديث، وهو أشد تواضعاً منَّا له، فإذا أخذ في الحديث - أي حديث رسول الله - تهيبنا كلامه، وكأنه ما عرفنا، ولا عرفناه.
وكان يعنى في درسه بأن يُجيب عن المسائل الواقعة، ولا يُحب أن يسير وراء الفرض والتقدير. وقد سأله سائل عن مسألة فَرَضيَّة، فقال: سَل عما يكون، ودَعْ ما لم يكن. وسأله آخر عن مسألة أخرى، فلم يجبه، فقال له: لمَ لا تُجيبني؟ فقال: لو سألت عما ينتفع به، لأجبتك.
وكان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها يقول: لا أدري"، وقد أخذ هذه الكلمة عن شيخه ابن هرمز، فقد حَدَّثَ عن شيخه؛ فقال: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي أن يُورث العالم جلساءه قَوْلَ لا أدري، حتّى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه. فإذا سئل أحدهم عما لا يدري، قال لا أدري. كما كان يقول: العلم آية محكمة أو سنة مبينة ثابتة أو: لا أدري! ".
منهجه في الفقه:
كان من طريقة الإمام مالك في فقهه أن يُقدم القرآن أولاً وقبل كل شيء، ويستعين في فهمه بالحديث والسنة، ولكنَّه كان - كما ذكرنا - يُدقق في رواية الحديث، حتّى لا يختلط الصحيح بغير الصحيح، وهو يَعُدُّ عمل أهل المدينة حُجَّةً ومصدراً من مصادر الفقه الهامة، وهو يلتزم السنة، ولا يُفارقها إلى الإفتاء، وكان كثيراً ما يُردد البيت التالي:
وخير أمور الدين ما كان سُنَّة وشر الأمور المحدثات البدائع
156