الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٥٦المجموعات لم تكن كتباً، بل كانت أشبه بالمذكرات الخاصة، وكان من أقدم وأهم هذه الكتب
كتاب الموطا للإمام مالك.
والكتابان اللذان يُعدان أصلين في مذهب الإمام مالك هما: الموطا، والمدونة الكبرى،
وهما جامعان لفقهه جَمْعاً تاماً في الجملة.
أما الموطا؛ فهو كتاب ألفه الإمام مالك، وجَمَعَ فيه الصحاح من الأحاديث والأخبار والآثار، وفتاوى الصحابة والتابعين، وذكر الرآي الذي يراه. وقد ألفه في الأربعين سنة، وذلك ما يدلُّنا على مدى مجهوده فيه. وبحسب كتاب الموطأ أن يقول فيه الإمام الشافعي رضي الله عنه: "ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من موطأ مالك".
ويقول أحد تلاميذ الإمام مالك: عَرَضنا على مالك الموطا قراءة في أربعين يوماً، فقال: كتاب ألفتُهُ في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوماً، ما أقل ما تفقهون فيه". وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي: الموطا هو الأصل واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي". وقال الإمام النسائي: ما عندي بعد التابعين أنبل
من مالك، ولا أجلّ منه، ولا أوثق، ولا آمن على الحديث، ولا أقل رواية من الضعفاء. وأما المدونة الكبرى؛ فقد رواها الإمام سحنون من بعده، وجَمَعَ فيها آراء الإمام مالك بالنَّص، وهو إن لم يُدرك الإمام، لكنه أدرك تلميذه الإمام عبد الرحمن بن القاسم، وعنه أخذ الإمام سحنون العلم. وكان يسأل ابن القاسم، فيجيبه، فيقول له: هل سمعت ذلك من مالك؟ يقول: نعم، سمعته، وأحياناً؛ يقول: لم أسمع، ولكن؛ هذا رأيي في المسألة. فأثبت الإمام سحنون ما تلقاه من ابن القاسم في المدونة الكبرى (أربعة مجلدات كبار) فَجَمَعَت المدونة فتاوى الإمام، وفتاوى أصحابه الذين ساروا على منهاجه، وكانت الصورة للمذهب المالكي الذي اشتق فقه الرأي فيه من الحياة الواقعية، وقام على أساس جلب أكبر قدر من المنافع، ودفع أكبر قدر من المضار.
ولم يشأ الإمام مالك أن يحمل الناس كلهم على مذهبه - كما أراد هارون الرشيد. بل بين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلفوا في الفُرُوع، وتفرقوا في البلدان، وكُل عند نفسه
158