الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٦١

تُوفي والده وهو صغير لا يتجاوز العامين، فذهبت به أُمه إلى مكة، وقد آثرت أن تهجر أهلها الأزد في اليمن، وتحمل طفلها إلى مكة، مخافة أن يضيع نَسَبُهُ وحقه في بيت مال المسلمين من سهم ذوي القربي، وكانت هذه أول رحلة في حياة هذا الطفل التي كانت كلها رحلات. نشأته العلمية:

نشأ الشافعي في مكة، وقد بدت عليه علائم النبوغ والذكاء الشديدين منذ الصغر، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وجوده على مقرئ مكة الكبير إسماعيل بن قسطنطين، وأخذ تفسيره من علماء مكة الذين ورثوه عن ترجمان القرآن ومفسره عبد الله بن عباس

رضي الله عنهما. ثُمَّ اتَّجه - بعد حفظه القرآن - لاستحفاظ أحاديث رسول الله. وقد أُولع منذ حداثة سنه بالعربيَّة، فرحل إلى البادية يطلب النحو والأدب والشعر واللغة، ولازم هذيلاً عشر سنوات، يتعلم كلامها، وفنون أدبها، وكانت أفصح العرب، فبرز، ونبغ في اللغة العربيَّة وهُو غُلام. قال الأصمعي - ومكانته في اللغة مكانته -: "صححتُ أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له مُحمد بن إدريس". وفي مكة؛ كان يتردد على يسمع من العلماء بشغف شديد. وكان في ضيق العيش؛ بحيث لا يجد ثمن الورق الذي يُدون عليه، فكان يعمد إلى التقاط العظام والخزف والدفوف ونحوها؛ ليكتب عليها، وكان يقول: ما أفلح في العلم الأمَنْ طلبه في القلة، ولقد كُنت أطلب ثمن القراطيس، فتعسر علي.

المسجد،

ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من العمر حين صار أستاذه مسلم بن خالد الزنجي - إمام أهل مكة ومفتيها - يقول له: أنت يا أبا عبد الله، فقد - والله - آن لك أن تُفتي"، وهكذا؛ اجتمع له في مكة النبوغ في اللغة والفقه والتفسير. ولكن همته في طلب العلم لم تقف به عند هذا الحد، فقد جاهد في سبيله، فكان كثير الترحال. وكان العلماء والفقهاء في ذلك العصر يشدون الرحال إلى المدينة، ليروا عالمها المشهور مالك بن أنس له، وكان مالك صاحب مجلس في الحرم النبوي، فطرقت أخبار الإمام مالك أسماع عالمنا الشافعي، فاشتاق لرؤيته، وتلهف لسماع علمه، فحفظ كتابه الموطا، ورحل إلى المدينة، وهناك لم يستطع أن

163