الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

يظفر بالوصول إلى باب مالك إلا بعد لأي وجهد، ونظر إليه مالك، وكانت له فراسة، فقال له: يا محمد؛ اتَّق الله، واجتنب المعاصي، فسيكون لك شأن من الشان، ثُمَّ قال له: إذا

ما جاء الغد تجيء، ويجيء من يقرأ لك، قال الشافعي: فقلت: أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ حفظاً، والكتاب في يدي، فكلما تهيت مالكاً، وأردت أن أقطع، أعجبه حسن

قراءتي وإعرابي، فيقول: يا فتى؛ زد. حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. وقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغُلام. وبعد أن قرأ على مالك مواه، لزمه يتفقه عليه، ويُدارسه المسائل التي يفتي بها الإمام الجليل، وتوطدت الصلة بينه وبين شيخه، فكان مالك يقول: ما أتاني قرشي أفهم من هذا الفتى". وكان الشافعي يقول: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحدٌ أَمَنُ علي من مالك". وبعد مضي عشر سنوات على إقامته في المدينة؛ تُوفّي الإمام مالك. وأحس الشافعي أنه نال من العلم أشطراً، فاتجهت نفسه إلى عمل من أعمال الدولة يتكسب به، بعد أن رهن داره، وعجزت أُمه عن معونته، فتولى عملاً بنجران من اليمن، وهناك طفق يتردد على حلقات العلم، ويأخذ عن كبار العلماء فيها، إلى أن وقع بينه وبين والي اليمن أثناء عمله شيء (بسبب ما أخذه عليه من الظلم فوشى به الوالي إلى الخليفة هارون الرشيد، الذي أمر بإحضاره إلى بغداد، وفي محنته تفصيل سيأتي)، ولعل هذه المحنة التي نزلت به قد ساقها الله - تعالى - إليه، ليصرف اهتمامه عن الولاية ونحوها، ويعود للاتجاه بكليته نحو لتُّهمة التي نُسبت إليه، ليُطبق علمه وشهرته الآفاق، فقد

العلم. وخرج الشافعي أصبح محم محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة الذي آلت إليه رياسة الفقه في العراق أستاذاً للشافعي، تلقى عنه فقه أهل الرأي، ولما كان قد أخذ فقه أهل الحديث عن مالك الذي آلت إليه رئاسة الفقه في المدينة فقد خرج من هذين المذهبين بمذهب يجمع بينهما، وهو مذهبه القديم المسمى بكتاب الحجة (رواه عنه العديد من العلماء، وكان الزعفراني أتقنهم له رواية، وأَحْسَنُهُم له ضبطا). ثُمَّ قفل عائداً إلى مكة، وفي جعبته علوم أهل الأرض في ذلك العصر بعد أن مضى عامان على إقامته في بغداد، وأخذ يُلقي دروسه في الحرم المكي، والتقى به أكبر العلماء في موسم الحج، فكانوا يرون فيه عالماً هو نسيج وحده، وفي هذه الأثناء التقى به أحمد بن حنبل، قال إسحق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال: تعال، أُريكَ

164