الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

رجلاً لم ترعيناك مثله، فأراني الشافعي. قال: فتناظرنا في الحديث، فلم أرَ أَفْقَهَ منه، ثُمَّ تناظرنا في القُرآن، فلم أرَ أَقْراً منه، ثُمَّ تناظرنا في اللُّغة، وما رأت عيناي مثله قط، ومكث في مكة تسع سنوات، وهناك ألف كتاب الرسالة في علم أُصول الفقه.

ثُم ارتحل ثانية إلى بغداد، وقد سبقته شهرته إليها، وتَحَدَّثَ بذكره المحدثون والفقهاء، ولُقب فيها بناصر الحديث، وأخذ ينشر آراءه الفقهية الأُصولية، ويُجادل على أساسها. وعقد في الجامع الغربي في بغداد حلقات العلم والفقه وأمَّه المتعلمون والعلماء، منهم الممتحن، ومنهم المستمع، ومنهم المتعد بمذهبه الساخر بهذا المتفقه الجديد على زَعْمه، فما يكادون يجلسون إليه ويستمعون له حتى يرجعوا عن قولهم، ويتركوا ما كانوا فيه، ويتبعوه، ومازال الشافعي يصول ويجول ويأتي كُل يوم بجديد من فهم كلام الله، وفقه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حمل العلماء على الإقرار بعلمه، وظهر أمره بين الناس، و انفكت حلقات المخالفين، حتّى إن أحدهم قال: قدم الشافعي بغداد وفي الجامع الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي، فلما كان يوم الجمعة لم يثبت منها إلا ثلاث حلق أو أربع وفي هذه القدمة التي دامت عامين، أعلن كتبه، وقد أَنْضَجَتْها الدراسة والمراجعة

،

ونشرها بين صحابته.

تكررت رحلات الشافعي بين مكة وبغداد وكانت خاتمة رحلاته إلى مصر، التي كان الدافع إليها ميله للابتعاد عن مركز الخلافة والسياسة، وذلك بناء على دعوة والي مصر له، وانتهى به المطاف هناك، وأملى مذهبه الجديد في كتابه المبسوط، الذي اشتهر - فيما بعد. باسم كتاب الأم، وأعاد النظر في آرائه وكتبه ومُؤلَّفاته، فجدد بعضها، ونسخ بكتابه المصري كتابه البغدادي المذهب الجديد هو المعتمد، وعليه العمل، إلا أنَّ هناك مسائل معيَّنة قد اختارها فُقَهَاء المذهب من القديم، ورجحوا الإفتاء بها، وتركوا الجديد فيها، ولقد أحصاها بعضهم بأربع عشرة مسألة، وبعضهم باثنتين وعشرين مسألة، وهي منثورة في كتب المذهب)، وقال: لا أجعل في حل مَن روى عنِّي كتابي البغدادي".

وكان الناس في مصر على مذهب الإمام مالك، فقدموا الشافعي، واستمعوا إليه،

وافتتنوا به. وقصده كثيرون من الشام واليمن والعراق وسائر الأقطار للتَّفقه عليه.

165