الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٧١ورسوله، وأقر بجميع ما أتى به الأنبياء والرسل، وعقد قلبه على ما ظهر من لسانه، ولم يشك في إيمانه. ومَنْ مات عاصياً ليفوض أمره إلى ربه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله أحدهم بجنة ولا نار، وإنما نرجو للصالح، ونخاف على المسيء المذنب، ونرجوله رحمة الله. وفي دستور الإيمان: لا يكفر أحد من أهل
(1)
التوحيد، وإن عملوا بالكبائر) وقد آمن أحمد إيماناً عميقاً بالقضاء والقدر خيره وشره، كما يُقرر أنَّ الله - سبحانه - يعلم بكُلِّ شيء، ويقدر على كُلِّ شيء، وما يفعله الإنسان فبقدرة الله وإرادته، ولا يقع في الكون شيء لا يُريده الله.
كتب لبعض أصحابه: «لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب أو حديث عن رسول الله أو عن أصحابه. فأما غير ذلك؛ فالكلام فيه غير محمود» (3). فالله - عَزَّ وَجَلَّ قديم - لا أول له، وكذلك صفاته، ومنها صفة الكلام، وقال في صفات الله تعالى: «هذه الأحاديث نرويها كما جاءت». وكلام الله - تعالى - أزلي غير مخلوق، وهُو وَحْدَة متصلة مُنزّهة معصومة. والقُرآن عنده غير مخلوق، وهو حادث بحدوث التكلم من الله بمشيئته وإرادته عندما تكلم وأنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلامه بالروح الأمين. وقد كلفه ثباته على قوله بقدم القرآن، وأنَّه غير مخلوق سجناً طويلاً، وجَلْداً بالسياط، وإيذاء زمن المأمون العباسي، ولما سأله بعضهم: لماذا لا تأخذ برخصة التقيَّة كما فعل غيرك؟ قال: «إذا أجاب العالم تقيَّة، والجاهل بجهل، فمتى يتبين الحق؟». كان أحمد بكره تدوين المسائل، ويحض على كتابة الأثر، ولهذا نهى أصحابه وسامعيه عن كتابة الفقه، وقال: «لا تنظروا فيما وَضَعَ إسحق، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا مالك. عليكم بالأصل». وذلك خوفاً من انصراف الناس عن علم الحديث والآثار إذا دونت آراء الفقهاء.
بدأ أحمد جمع الأحاديث وهو في السادسة عشرة من عمره، وبقي طيلة حياته يجمع الحديث، وقد جَمَعَ مُسنده الذي اشتمل على ثلاثين ألف حديث، وقيل إنها أربعون ألف
(1) راجع المذاهب الفقهية: ص 344.
(2) ابن حنبل:
130:
173