الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٧٣مُميزات الفقه الحنبلي:
يتميز الفقه الحنبلي بالمميزات التالية:
اعتماده في الفتاوى على الأحاديث، والأخبار، وآثار السلف الصالح. ابتعاده عن الافتراضات، وعدم الفتوى، إلا فيما يقع من الأمور.
- إطلاق حُرِّيَّة التعاقد، وَوَضع الشروط التي يلتزم بها المتعاقدان.
ثالثاً: التصوف
ليس التصوف فرقة دينية أو مذهباً بالمعنى الضيق للكلمة، إنَّما هو مذهب روحي وُجد ضمن كُلِّ دين، اتَّخَذَه فئة من الناس سُلُوكاً في العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، معرضين عن مباهج الحياة الدنيا وملذاتها وبهرجها، مقبلين إلى حياة النّبتُّل والتأمل، ضمن نظام تربوي خاص، ورياضات روحية، تصل بصاحبها لمقام العرفان بالله، واكتشاف الحقيقة، ولمسها شعورياً في القلب والروح. فالتصوف منهج تربوي روحي الغرض منه تصفية القلب عن غير الله، والصعود بالروح إلى عالم التقديس بإخلاص العبودية للخالق، والتَّجرد عما سواه. وهذا المذهب قديم كقدم النزعة التي أَوْجَدَتْهُ، فإنَّ الإنسان - منذ ألوف من السنين - أدرك أنَّ خلف هذه الغلف الجسدانية سراً مكنوناً لا يستثيره إلا التَّحكم التام بهذا البَدَن، وبالشهوات، وعبر الرياضات الروحية والمجاهدات، توصلاً إلى صفاء الروح، وتنقية السر، وإضعاف سطوة الجسد وسلطانه عليه، لتشرق الروح، وتُضيء مكامنها، مكتشفة الحقيقة الوجودية. وقد وُجد هذا الاتجاه في كُلِّ أُمَّة راقية، ولبس شكلاً مناسباً لعقولها وأفكارها وتعاليمها، فهو معروف منذ القدم في الهند، وفي الصين وفارس، كما نشأ ضمن اليهودية والمسيحية. فليس التصوف في الإسلام إلا انعكاساً طبيعياً لتلك النزعة الراسخة في عُمق الوُجُود الإنساني، والتي تُشكل - في الواقع - لب الدين وروحه، والذي ظهر لدى جماعات من المسلمين مالوا إلى الزهد والانقطاع إلى الله، والإقبال بالكلية عليه، ومحاربة النفس والهوى، وممارسة الرياضات الروحية الإسلامية التي أهمها الإكثار من الذكر والعبادة، وقيام الليل، والمناجاة بالأسحار، وقراءة القرآن، والاقتصاد في المأكل والمشرب والنوم،
175