الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٧٥- وحول كثرة الذكر والتبتل والانقطاع إلى الله: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا
كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ((3)) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) الأحزاب/ 41 - 43، {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَل إِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتخِذْهُ وَكِيلاً) المزمل / 8 - 9.
ولا يتسع المقام لاستقصاء الشواهد، وإلا خرجنا عن موضوع الكتاب، وأما دلالات التصوف من الأحاديث النبوية الشريفة ومن سيرته وأحواله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي أكثر من أن تُحصى ..
لذا؛ نقول: إنَّه من الطبيعي جداً أن يبرز هذا الاتجاه والميل لدى فريق من المسلمين انطلاقا من تعاليم دينهم وقرآنهم المجيد وسيرة وسُنَّة نبيهم الكريم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) وسلفهم الصالح رضي الله عنهم، من جهة، ومن الجهة الأخرى؛ كتعبير فطري عن ذلك الشوق الصوفي الذي زَرَعَهُ اللهُ فيهم. ومن العوامل التي تُزكِّي نُمُو هذا الاتجاه لدى جماعات من المتدينين ما يرونه من انتشار الإقبال على الدنيا والتكالب على المادة وقسوة القُلُوب في المجتمع، وعدم التزام عامة الناس من الدين إلا أُمُوراً سطحية والتزامات ظاهرية، أو نزاعات سياسية، وصراعات حزبية، البست لباس الدين، فيشعرون بالغربة في مثل هذا
الجو، ويقوى فيهم النزوع لذلك الاتجاه الصوفي.
فالتصوف الإسلامي لا يحتاج لتأثيرات خارجية في نشأته، وإنَّما نَشَأَ في بيئة إسلامية صرفة، ونبت من بذرة دينية إسلامية محضة، وتشرب من آيات القرآن الكريم، وسُنَّة سيد
المرسلين (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
نعم؛ التصوف مثله مثل سائر التيارات الإسلامية، التي نشأت في بدايتها في بيئة إسلامية وبتأثير عوامل داخلية محضة؛ لكنَّها عندما نَمَت، وتوسعت، بدأت تتفاعل مع الحضارات المجاورة لدى اتساع رقعة الإسلام، فكان من الطبيعي أن يحصل بينها وبين أفكار تلك الحضارات تلاقح فكري وتأثيرات حضارية متبادلة … وهذا ينطبق على علم العقائد، والكلام، وعلى الفقه، وعلى الفلسفة الإسلامية، بل حتَّى على علوم الحديث، والتفسير، وليس التصوف فيها بدعاً من الأمر، فقد تأثر بلا شك، وأثر كذلك.
177