الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

وقد صَدَرَت من قدماء الصوفية شطحات بهذا المعنى كقول الحلاج أنا الحق، أنا

.

الحق، أو ما في الجبة إلا الله "، أو قول أبي يزيد سبحاني ما أعظم شأني، ولم يكن ذلك قولاً منهم بالحلول والاتحاد كما توهمه البعض، ولا كان تأليها لذواتهم والعياذ بالله، وإنما كان وصولاً ذوقياً إلى حقيقة أنه لا يُوجد في هذا الوُجُود إلا هو وأفعاله وصفاته، وليس في الدار غيره ديار، وبالتالي؛ فهم نفوا عن أنفسهم الأنيَّة أصلاً، على العكس تماماً من تصور أنهم أثبتوا إلهيَّتها، فأين هذا من ذاك؟؟ إنَّهم شعروا في لحظة من لحظات الاستغراق الكامل في التامل الباطني والوجد الصوفي بالانمحاق والفناء عن الذات، وأنَّه ليس لهم وجود من أنفسهم، بل كُل ذرة من وجودهم هي في الواقع وجود الله، فهم قائمون به، وفيه، ومنه، وإليه؟ إنا لله، وَإِنَّا إليه راجعونَ؟ وكُلُّ شيء هالك إلا وجهه؟ ليس في المستقبل، بل - كما يقول الإمام الغزالي - هو الآن كذلك. وليس هذا معناه أن ذات الإنسان من جهة نقصه وضعفه هي عين ذات الله الباقي، بل هذا من المحال؛ لأنَّ الإنسان ممكن الوُجُود، والله. تعالى ـ واجب الوجود ومن المحالات العقلية صيرورة الممكن واجباً. نعود، فنقول: إنَّه من العبث مُحاولة فهم قضيَّة هي في أصلها عرفانية ذوقية محضة، ولكن بعض العرفاء حاولوا تقريبها للأفهام بأمثلة وعبارات هي، وإن كانت قاصرة، إلا أنَّها مُفيدة؛ لأنَّها - على الأقل. تُعطي أمثلة عن إمكان القول بوَحْدَة الوُجُود دون أن يلزم عن ذلك حلول واتحاد: فمن ذلك مثال الإنسان وظله، والشمس وحرارتها وشعاعها والبحر وأمواجه، وأصفار العدد والواحد الذي على يسارها الذي يُعطيها القيمة، أو عدد الواحد الساري في كل الأعداد، فالعدد 745 مثلاً هو غير الواحد ظاهراً، ولكن من أين تكون إلا من أعداد الواحد السارية فيه؟ أو الإنسان وصورته في المرآة: فصُورة الإنسان مثلاً التي تنطبع على المرآة لا هي ذاته، بدليل أن ضرب الصورة في المرآة لا يضره في شيء، ولا هي غيره؛ لأنَّها صُورته تماماً، كما أنَّه لا وجود لها إلا به، فليس لها ذرّة وُجُود مُستقل عن وُجُوده، بدليل أن ذهابه من أمام المرآة لا يُبقي من الصورة شيء.

ومثال آخر أن يتصور الإنسان في ذهنه شيئاً كجبل أو بحر .. إلخ، ثُمَّ يسأل: هل لهذا البحر أو الجبل أي وجود مستقل عن وُجُودِي؟؟ طبعاً، لا، فكل ذرة من هذا البحر أو الجبل

181