الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٨٠مستمدة من وجود الإنسان الذي خَلَقَهَا في ذهنه ومُخيلته، ولو غفل هذا الإنسان عنها لحظة لا نْمَحَتْ من الوُجُود ولكنَّها هل هي عين ذاته؟ أيضاً؛ لا؛ لأنه أين الإنسان الكامل
بأعضائه وعقله وحواسه، وهذا الجبل الوهمي الذي ليس له إلا وجود ذهني محض؟ أقصد من هذه الأمثلة القاصرة أن أوضح - فقط - للقارئ أنَّه لا ينبغي عليه أن يُسارع بأنهام القائلين بوحدة الوُجُود بأنَّهم يخرجون عن الدين، أو يُريدون تأليه أنفسهم، أو إسقاط التكاليف الشرعية عنهم؛ لأنَّ الرَّبَّ عبد، والعبد رب، وانتهى الأمر؛ لأنَّ الصوفية القائلين بوحدة الوُجُود لا يقصدون التوصل أبداً لذلك الغرض الباطل، كيف وهم من أشد الناس عبادة وتذللاً وخُضُوعاً الله - تعالى - وعملاً بتكاليفه الشرعية؟؟ فإذا لم يستطع الإنسان أن يفهم معنى هذا الموضوع، وما قدر أن يُدرك ويستوعب حقيقة قصدهم منه، فليتركه لأهله، ولا يُنكره عليهم.
وقد كان الشيخ محيي الدين بن العربي أكثرَ مَنْ بَسَط الكلام في هذا الموضوع، وأطنب في الحديث عنه، وكتب في ذلك المطولات، وأنشد الأشعار، فمن ذلك قوله (
(1)
سامع
يا خالق الأشياء في نفسه أنت لما تخلف تخلق ما لا ينتهي كونه فيك فأنت الضيق الواسع
أُمور يُؤكِّد عليها الصوفية، وصارت من خصائصهم:
1 - ضرورة الصحبة؛ أي مُصاحبة شيخ مرشد، ومُرَبِّ مأذون بالإرشاد من الشيخ الذي قبله، في سلسلة متصلة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واتباعه والاستسلام التام لإرشاده ووصاياه، للتمكن من قطع مراحل السير إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، فالسالك لا يستطيع السير وحده؛ لأنَّ طريق السير والسلوك وعر مليء بالمطبات، ومَنْ لا شيخ له شيخه الشيطان والشيخ يُرشد المريد إلى طرق تُخلّصه من رُعُوناته النَّفْسيَّة،
وأمراضه القلبية، ويقود روحه إلى الله عَزَّ وَجَلَّ.
(1) راجع ظهر الإسلام لأحمد أمين: 2/ 60 و 4/ 162.
182