الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٨٥بين الصوفية والفقهاء، وكان أول كتاب يدعم الحقيقة بالشريعة، ويُبيِّن الأسرار الصوفية للعبادات ومعانيها الباطنية والروحية، وله فيه نظريات في التحليل النفسي لم تكتشف إلا في القرن الماضي (مثل نظرية بافلوف في الانعكاس الشرطي).
ثم زار بيت المقدس، ومنها ارتحل إلى الإسكندرية، ثُمَّ عاد إلى بلدته طوس، فأقبل على التصنيف والعبادة والملازمة للتلاوة ونشر العلم. ألف عشرات الكتب القيمة في التصوف أشهرها الإحياء وكيمياي سعادت بالفارسية، والمنقذ من الضلال"، والأربعين في أصول الدين، بالإضافة للعديد من الكتب المهمة في الفقه الشافعي، وأُصول الفقه، وفي الكلام الأشعري، والرد على الفلاسفة، وغيرها.
كان ورعاً تقياً، عابداً، مُصلَّياً، معتكفاً في داره أكثر سني حياته الأخيرة، وقد اتَّخَذَ رابطاً للصوفية، ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جوار بيته، واعتزل الناس، ومال بكليته إلى التصوف والزهد، حتّى لقب - بحق - حجة الإسلام، فقد جدد نهضة الدين، وحدد سلطان الفلسفة، وأخذ من كُلِّ علم بقسط وافر. تُوفّي في طوس عام 505 هـ.
(1)
هذا؛ وللغزالي كلام مشهور غزير الفائدة - يذكره في كتابه المنقذ من الضلال. يحكي فيه ملابسات اتجاهه نحو الخلوة والرياضة الرُّوحيّة وسلوك طريق التصوف، ولماذا فضله على الشهرة والمنصب وعلوم الظاهر، وماذا وجد عند الصوفية، ولماذا رجع طريقهم على سائر الطرق، فيقول:
… ثُمَّ إِنِّي لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقهم إنَّما يتم بعلم وعمل؛ وكان حاصل علمهم قطع عقبات النَّفْس والتنزه عن أخلاقها
المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتّى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله وتحليته بذكر الله تعالى، وكان ـ حينئذ ـ العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله ـ تعالى ـ وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد، والشبلي وأبي يزيد البسطامي، وغير ذلك من
(1) انظر طبقات الشافعية: ابن قاضي شهبة: ج 1 / ص 248 - 249.
187