الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٨٦كلام مشايخهم رضي الله - تعالى - عنهم، حتى اطلعت على مقاصدهم العلمية، وحصلت على ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعليم والسَّماع، فظهر لي أنَّ أَخَص خواصهم لا يُمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق والحال وتبدل الصفات، فكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحَدَّ الشبع من لم يكن صحيحاً وشبعاناً، وبين أن يعرف حد السكر، وأنَّه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر، وبين أن يكون سكراناً فعلاً، بل السكران لا يعرف حد السكر وهو سكران؛ لأنه واقع في حالة السكر (ذوقاً ووجدانا) والصاحي يعرف حَدَّ السكر وأركانه وما معه شيء من السكر، والطبيب حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها وهو فاقد للصحة، فكذلك فرق بين أن تعرف
يوه
و
=
حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه، وبين أن يكون حالك الزهد وعُرُوف النَّفْسِ عن الدُّنيا. فَعَلَمْتُ يقيناً أنَّهم أرباب أحوال، لا أصحاب أقوال، وأن ما يُمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعليم، بل بالذوق والسلوك، وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى، وبالنبوة، واليوم الآخر، فهذه الفصول الثلاثة عن الإيمان كانت رسخت بنفسي، لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة، إلا بالتقوى وكَفِّ النَّفْس عن الهوى، وأنَّ رأس ذلك كله قطع علائق القلب من الدنيا بالتجافي عن دار الغُرُور والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. … (إلى أن قال): فآثرتُ العُزلة حرصاً على الخلوة وتصفية القلب بالذكر، وكانت حوادث الزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعاش، وتغير وجهة المراد، وتشوش صفاء الخلوة، ة، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة، لكنّي - مع ذلك ـ لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها، ودُمتُ على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشف
لي أثناء الخلوات أُمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها.
والقدر الذي أذكره لينتفع به هو أني علمت يقيناً أنَّ الصوفية هم السالكون الطريق إلى الله تعالى خاصة، وأنَّ سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى
188