الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليُغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويُبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، وأن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نُور مشكاة النبوة، وليس وراء نُور النبوة على وجه الأرض نُور يستضاء به، وأيقنت - بحق - أنَّهم الفرقة الناجية، وماذا يقول القائلون في طريقة الطهارة أول شروطها، وتطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى واستغراق القلب في ذكر الله عمادها ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم في الصلاة، وآخرها الفناء بالكلية في الله، وهذا بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي - على التحقيق - أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه، ومن أول الطريق تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتَّى إِنَّهم في يقظتهم يُشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد وعُلُوماً، ثُمَّ يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها النطاق، لا يُحاول مُعَبِّر أن يُعَبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكن الاحتراز عنه ......
5 - القطب الغوث الإمام الشيخ عبد القادر الكيلاني (471 - 561 هـ): أحد أشهر أقطاب الصوفية على الإطلاق، هو أبو محمد محي الدين عبد القادر بن موسى بن عبد الله الكيلاني أو الجيلي الشافعي الحنبلي شيخ بغداد، ويرجع نَسبَهُ الشريف إلى الإمام الحسن ابن علي رضي الله عنهما. ولد في كيلان (شمال إيران) عام 471 هـ، ونُسب إليها. انتقل إلى بغداد، ودرس الفقه، وسمع الحديث، وقرأ الأدب على كبار مشايخها، ثُمَّ اتَّجه إلى التصوف، فبرز فيه، وبزَّ أقرانه، وخَضَعَتْ له رقاب الأولياء، فبايعوه بالسلطنة عليهم، حتَّى عُرف بالقطب الكيلاني. وإليه تُنسب الطريقة القادرية. طار ذكره في الآفاق، وأجمع على إمامته أهل الخلاف والوفاء، وكان جريء اللسان، ثابت الجأش والجنان، وله إقدام وتمكن أقدام، عظيم المنزلة، كثير الشطح، مواعظه مشحونة باللطائف والرقائق، ومجالسه قل نظيرها (
(1)
(1) انظر ترجمته في الجزء الثالث من شَنَرَات الذهب في أخبار مَنْ ذَهَبَ: عبد الحي الحنبلي الدمشقي (1032 - 1089 هـ) نقلاً عن طبقات الصوفية لعبد الرؤوف المناوي.
189