الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٩

وقد دار نقاش طويل بين الفريقين، اقتنع - في نهايته - أغلب الأنصار بحق المهاجرين في الأمر، وبايعوا أبا بكر - الذي رشحه عُمر له لهذا المنصب، في حين رفض زعيم

الأنصار سعد بن عبادة الله البيعة، وخَرَجَ إلى الشام، فمات بها، ولم يُبايع لأحد) أما الموقف الثالث: فقد تمثل بعلي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه) ونفر من بني هاشم أُسرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وآل بيته الكرام: كزوجته فاطمة، وعمه العباس، وابن عمه الزبير وآخرين … الذين لم يحضروا النقاشات التي دارت في سقيفة بني ساعدة؛ لأنهم كانوا مشغولين بغسل وتكفين ودفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، ليفاجؤوا - بعد انتهائهم من ذلك ـ بأنَّ الأمر قد انتهى دون مشورتهم،، وأنَّ البَيْعَة تمت لأبي بكر، فاعترضوا على ذلك، طبقاً لما تورده المصادر، انطلاقاً من نفس مبدأ القرابة والعشيرة الذي احتج به المهاجرون على الأنصار - قائلين ما مفاده: إنه إذا كان المهاجرون أحق بالأمر، لأنَّهم عشيرة الرسول وقومه؛ فإنَّ بني هاشم أحق الناس بسلطان محمد وميراثه؛ لأنَّهم عصبة النّبي وأسرته، وأقرب النّاس إليه، وإذا كان المهاجرون أحق بالأمر لسابقتهم في الإسلام وحملهم دعوته منذ فجرها؛ فإنَّ عليا بن أبي طالب أولى الناس بالأمر؛ لأنَّه أول الناس إسلاماً، وأرسخهم قَدَماً في الدين، وبلاؤه ونُصرته في الإسلام لا يُباريه فيها أحد، هذا فضلاً عن اتصافه بصفات فاق بها كُلَّ مَن عداه؛ كعلمه الراسخ، وكونه أقضى الصحابة وأعلمهم بالفتيا والتفسير، وحفظه وكتابته وجمعه للقرآن الكريم كله، بالإضافة لشجاعته المنقطعة النظير، وقُوَّته، وجهاده، وحلمه، وإخلاصه، وبلاغته … إلخ، هذا؛ مع كونه سيد أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته، وألصق الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقربهم منزلة منه، وأخصهم زلفة لديه، وأحبهم إلى قلبه، فهو ابن عمه الذي تربى في حجره منذ صغره، ثُمَّ صاهره في أعز بناته إليه فاطمة الزهراء، ثُمَّ كان أول من أسلم، وصلَّى معه، ثُمَّ خَلَّفه رسولُ الله في فراشه عند الهجرة، وأمره أن يُؤدي الأمانات التي بقيت عنده للناس، ثم يلحق به إلى المدينة، وفي المدينة لما عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) مُؤاخاة بين كل المهاجرين والأنصار، لم يؤاخ بين علي وأحد من الأنصار، فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَخَيْتَ بَيْنَ

(1) انظر تفصيل ذلك في الإمامة والسياسة: ج 1 ص 14، وما بعدها.

20