الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٩١9 - ابن الفارض الشهير بسلطان العاشقين (576) - 632 هـ / 1181 - 1234 م) هو أبو القاسم عمر بن علي بن المرشد الحموي الأصل المصري، من أشهر الشُّعراء الصوفية
عنده
الذين أنشدوا أروع القصائد الرمزية الخالدة، في غاية اللطف والرقة في العشق الإلهي. قدم أبوه من حماة إلى مصر، فَقَطنَهَا، وصار يُثبت الفُرُوض للنساء على الرجال بين يدي الحكام، فلقب بالفارض، ثُمَّ ولد له بمصر عُمر سنة 566 (وقيل سنة 576 هـ) فنشأ تحت كتف أبيه، فعرف بابن الفارض. اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر، وعن الحافظ المنذري، وغيره، ثُمَّ حبب إليه الخلاء وسلوك طريق الصوفية، فتزهد، وتجرد، وصار يستأذن أباه في السياحة، فيسيح في الجبل الثاني من المقطم، ويأوي إلى بعض أوديته مرة، وفي بعض المساجد المهجورة في خرابات القرافة مرَّةً، ثُمَّ يعود إلى والده، فيُقيم. مدة، ثُمَّ يشتاق إلى التَّجرد، ويعود إلى الجبل، وهكذا، حتّى ألف الوحشة، ومع ذلك؛ لم يُفتح عليه بشيء، حتى أخبره البقال أنَّه إنَّما يُفتح عليه بمكة، فخرج فوراً في غير أشهر الحج ذاهباً إلى مكة، فلم تزل الكعبة أمامه، حتى دخلها، وانقطع بواد بينه وبين مكة عشر ليال، وأنشأ غالب نظمه حالتئذ، وأقام كذلك نحو خمسة عشر عاماً، ثم رجع إلى مصر، فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر، وعكف عليه الأئمة، وقصد بالزيارة من الخاص والعام، حتّى إن الملك الكامل كان ينزل لزيارته، وسأله أن يعمل له قبراً عند قبره بالقبة التي بناها على ضريح الإمام الشافعي، فأبى.
وكان جميلاً نبيلاً، حَسَن الهيئة والملبس، حَسَن الصحبة والعشرة، رقيق الطبع، عذب المنهل والنبع، فصيح العبارة، دقيق الإشارة سلس القياد، بديع الإصدار والإيراد سخياً جواداً. . .
وناهيك بديوان شعره الذي اعترف به الموافق والمخالف والمعادي والمحالف بأنَّه من أرق الدواوين شعراً، وأنفسها دُرَراً، وأسرعها للقُلُوب جرحاً، وأكثرها على الطُّلُول نَوْحاً؛ إذ هو صادر عن نفثة مصدور، وعاشق مهجور، وقلب بحر النوى مكسور، والناس
193