الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٩٩ولهذا؛ أمروا عليهم من اختاروه منهم، «وسموا عبد الله بن وهب الراسبي أمير المؤمنين»، وقد خالفوا - بهذا - نظرية الشيعة القائلة بانحصار الخلافة في بيت النبي: علي وآله، وأهل السنة القائلين بأن الخلافة في قريش؛ وهذه النظرية هي التي دَعَتْهُم إلى الخروج على خلفاء بني أُمية، ثُمَّ العباسين؛ لاعتقادهم أنهم جائرون، غير عادلين، لم تنطبق عليهم شروط الخلافة في نظرهم.
.
نرى أنَّ الخوارج - في أول أمرهم - كانت صبغتهم سياسية محضة، ثُمَّ نراهم في عهد عبد الملك بن مروان، وقد مزجوا تعاليمهم السياسية بأبحاث لاهوتية، وأكبر مَنْ كان له أثر في ذلك الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق. وأهم ما قرره الخوارج في ذلك أنَّ العمل بأوامر الدين من صلاة وصيام وعدل وصدق - جزء من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد وحده. فَمَنْ اعتقد أن لا إله إلا الله، وأنَّ مُحمَّداً رسول الله، ثُمَّ لم يعمل بفروض الدين، وارتكب الكبائر، فهو كافر.
والخوارج لم يكونوا وَحدَة، ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحاً فيهم الطبيعة العربيَّة والبَدَويَّة، فسرعان ما يختلفون، وينضمون تحت ألوية مختلفة، يضرب بعضها بعضاً، ولو اتحدوا لكانوا قُوَّة في منتهى الخطورة على الدولة الأموية. لذلك؛ لا نستطيع أن نذكر ما هو من تعاليمهم مشترك بين جميعهم إلا النظريتين السابقتين: نظرية الخلافة، ونَظَرِيَّة أنَّ العمل جزء من الإيمان. حتّى هاتان النظريتان ليستا من اعتقاد جميعهم إلا بقليل من التسامح؛ فمنهم من يرى أن لا حاجة للأُمة إلى إمام، وإنما على الناس أن يعملوا بكتاب الله من أنفسهم، ويظهر أنَّ هذه الفكرة هي التي كان يفهمها بعضهم من جملتهم المشهورة: «لا حُكْمَ إلا لله»، ويدليل ما روى أنَّ علي بن أبي طالب لما سمعهم يقولون: «لا حُكْمَ إلا لله» قال: «قَالَ ال كَلمَةٌ حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطلَّ، نَعَمْ، إِنَّهُ لا حُكْمَ إلا لله، ولكنَّ هؤلاء يَقُولُونَ لا إمْرَةَ إلا لله، وإِنَّهُ لا بُدَّ للنَّاس من أميرِ بَر أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ في إمرته المؤمنُ، وَيَسْتَمْتَعُ فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويُجْمَعُ به الفيء، ويُقاتَلُ به العدو، وتَأْمَنُ بهِ السُّبُلُ، ويُؤخذ به للضعيف من القوي، حَتَّى يَستريح بَر، ويُسترَاحَ من فاجر»)؛ وقد قال ابن أبي
(1)
(1) نهج البلاغة: قسم خطب أمير المؤمنين عليه السلام، خُطبة رقم 40 ص 82 من الطبعة التي حققها الدكتور صبحي الصالح.
201